انتهت مدة من الزمن سياسة الهدم والتخريب والحرق لقبر الإمام الحسين (عليه السلام) بالمعاول والماء والنار بانقضاء العصر العباسي الثالث في أواسط القرن الخامس من الهجرة ، وبدأت تطبق بحقه سياسة جديدة أقل وطأة من سابقتها، ولكنها رامية في الحقيقة والواقع إلى الغاية نفسها؛ للتقليل من شأن هذه العتبة المقدسة عن طريق نهب أموال الحائر، وسلب خزائنه و موقوفاته وتجريده من آثار الجلال والمهابة المتمثلة في مفروشاته وستائره الثمينة، وقناديله وأسرجته الذهبية المرصعة، وخزانته المملوءة بالآثار والتحف النفيسة القيمة في ذلك الوقت.
وقد سار المسترشد ابن المستظهر العباسي على هذه السياسة الجديدة تجاه الحائر الشريف في الربع الأول من القرن السادس من الهجرة. ومما رواه المجلسي في (البحار) بهذا الصدد نقلا عن (المناقب) لابن شهر أشوب أنّه:
"أخذ المسترشد من مال الحائر وكربلاء، وقال: إنّ القبر لا يحتاج إلى خزانة، وأنفق على العسكر. فلما خرج قتل هو وابنه الراشد".
في خلافة المسترشد ضاقت الأرض على رحبها على الشيعة لما أخبر المسترشد بجمع ما اجتمع في خزانة القبر المقدس من الأموال والمجوهرات فأنفق على جيوشه، وقد كان آنذاك يستعد لتجهيز الجيوش وجمع العساكر؛ لأنّه كان قد اشتبك في أواخر عهده بحروب داخلية أثيرت عليه بمدة يسيرة من بعد وفاة السلطان محمود في سنة ٥٢٥ هـ. فكان بحاجة شديدة إلى المال، فتطاول على الحائر الشريف، وصادر أمواله فاستعملها في سبيل توطيد دعائم ملكه في تلك الحروب التي أثارها عليه مسعود أخو (سلجوقشاه) في أواخر سنة ٥٢٦ هـ، وقد نشبت معركة حامية بينهما دارت فيها الدائرة على المسترشد نفسه، ووقع أسيراً في قبضة خصمه. وبينما كان في خيمته إذ هجمت عليه جماعة من الباطنية وفتكوا به، فلقي حتفه بعد أن صادر أموال الحائر المقدس ونهب خزائنه كما جاء في الرواية المتقدمة.
المصدر: عبد الجواد الكليدار، تاريخ كربلاء وحائر الحسين (عليه السلام)، ص 225.