كان السلطان محمد خدابنده، الملقب بأولجایتو بن أرغون خان، واحداً من أبرز الحكام الإيلخانيين الذين تركوا أثراً عميقاً في تاريخ التشيع الإسلامي، تولى الحكم بعد وفاة أخيه السلطان غازان خان سنة 703هـ، وحمل لقب (غياث الدين محمد خدابنداه)، الذي يُفسر عادةً بمعنى (عبد الله)، بينما شاع بين العامة اسم (خربنده) بمعنى (عبد الحمار)، إلا أن الباحثين مثل العزاوي يرجحون أصل الكلمة المغولي بمعنى (الثالث)، في إشارة إلى ترتيبه بين أبناء العائلة الحاكمة، اتسم عهده بتحولات دينية وسياسية كبيرة، إذ تشيع على يد العلامة الحلي سنة 707هـ، مما شكل نقطة تحول في سياساته تجاه المقدسات الشيعية.
أظهر السلطان محمد خدابنده اهتماماً لافتاً بالحائر الحسيني والمشاهد المقدسة في العراق، فوجه منذ تشيعه دعماً مالياً منظماً من بيت مال المسلمين لسدنة العتبات، وخصص من خزانته الخاصة رواتب شهرية للعلويين المقيمين في كربلاء والنجف، كما أوقف أوقافاً كبيرة لضمان استمرار الإنفاق عليهم، وفي زيارة له إلى العراق سنة 707هـ، رافقته شخصيات بارزة مثل العلامة الحلي والأمير طرمطار، حيث زار كربلاء والنجف، وأنعم على سكانها بالهبات، وأمر بسك النقود مُحْلاةً بأسماء الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)، ونقش أسماءهم على رايات الجيش، وأدخل عبارة (حي على خير العمل) في الأذان، في خطوات رمزية عززت الهوية الشيعية في الدولة.
بلغ تعلقه بالمقدسات ذروته عندما زار النجف الأشرف سنة 709هـ، حيث راوده نَقْل رفات الإمام علي بن أبي طالب إلى عاصمته السلطانية التي أعدّ فيها بناءً فخماً بناءً على نصيحة الشيخ الصوفي زاهد الكيلاني. إلا أن رؤيا منامية – وفق الروايات – منعته من ذلك، إذ قيل إن طيفاً قال له: (سنونكي سنده، منمكي منده) (لك ما تريد ولي ما أريد)، فعدل عن فكرته، وزاد تمسكه بالتشيع، تاركاً ممارسات التصوف التي كانت مرتبطة بمراحل سابقة من حياته، انعكس هذا التحول في سياساته العملية، حيث كرس جهوده لتعمير العتبات المقدسة، خاصة في كربلاء والنجف، حيث أشرف على تزيينها وتوسعتها، كما عمل على تنشيط الحياة الاقتصادية حولها عبر مشاريع الإعمار وتوفير الموارد.
وُلد السلطان سنة 675هـ، وتوفي سنة 716هـ بعد حكم دام اثني عشر عاماً، وُصف خلالها بالحاكم الكريم ذي الوجه الوسيم والشمائل النبيلة، الذي جمع بين الحنكة السياسية والإيمان الديني العميق، رغم الانتقادات التي لحقت ببعض قراراته، خاصة تلك المتعلقة بمحاولة نقل الرفات، إلا أن إرثه في دعم المقدسات الشيعية بقي محفوراً في الذاكرة التاريخية، كما أن إصلاحاته الاقتصادية والدينية في المدن المقدسة شكلت أساساً لنهضة استمرت لعقود.
محمد حسن مصطفى الكليدار آل طعمة،مدينة الحسين،ضبط ومراجعة وإصدار مركز كربلاء للدراسات والبحوث،2016،ط1،ج2،ص206