هو الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، رابع أئمة أهل البيت، وُلِد في المدينة المنورة سنة (38 هـ)، ونشأ في بيت النبوة والإمامة، فكان مثالاً للعلم والعبادة والزهد حتى عُرف بـ"زين العابدين" و"سيد الساجدين".
رافق الإمام زين العابدين (عليه السلام) أباه الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته المباركة، وخرج معه من المدينة إلى مكة ثم إلى كربلاء، وكان شاهداً على جميع أحداث عاشوراء. وفي يوم العاشر من المحرم أصيب بمرض شديد أقعده عن القتال، فلم يتمكن من حمل السيف والدفاع عن أبيه وإخوته، إلا أن هذا المرض كان بتقدير إلهي لكي يبقى الإمام حياً ويحفظ امتداد الإمامة بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).
وعلى الرغم من مرضه، فقد عاش الإمام زين العابدين (عليه السلام) كل تفاصيل المأساة، ورأى مصرع أبيه وأهل بيته وأصحابه، وتحمل بعد ذلك مسؤولية رعاية النساء والأطفال في رحلة السبي من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام.
وقد تجلت شجاعته في مواقفه بعد واقعة الطف، فعندما وقف أمام عبيد الله بن زياد لم يخف من تهديده بالقتل، بل واجهه بكل ثبات وعزة، كما ألقى خطبته الشهيرة في مجلس يزيد بن معاوية، فكشف للناس حقيقة ما جرى في كربلاء وبيّن مكانة أهل البيت (عليهم السلام)، فكان صوته امتداداً لثورة الإمام الحسين (عليه السلام).
وبعد عودته إلى المدينة المنورة، كرّس حياته لنشر علوم أهل البيت وإحياء ذكرى كربلاء، فكان كثير العبادة والدعاء، حتى ظهرت آثار السجود على جبهته. كما عُرف بكرمه وإحسانه للفقراء والمحتاجين، إذ كان يحمل الطعام ليلاً إلى بيوت الأرامل والأيتام دون أن يعرفه أحد.
وترك الإمام زين العابدين (عليه السلام) تراثاً عظيماً للأمة الإسلامية، من أبرز آثاره "الصحيفة السجادية" التي ضمت أدعية ومناجاة عظيمة، و"رسالة الحقوق" التي بيّنت حقوق الإنسان وواجباته في المجتمع.
لقد كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) مدرسةً في الصبر والعبادة والشجاعة، وحافظاً لرسالة كربلاء بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، فاستحق أن يكون زيناً للعابدين وسيداً للساجدين، وبقيت سيرته الخالدة منارةً للأجيال في التضحية والإيمان والثبات على الحق.
المصدر
الشيخ المفيد / الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج٢ باب سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام