يُعدّ سماحة المرجع الديني الكبير أبو القاسم الخوئي واحداً من أبرز المراجع والعلماء في تاريخ الحوزة العلمية في النجف الأشرف خلال القرن العشرين، حتى لُقّب بـ«أستاذ الفقهاء والمجتهدين» لما تركه من إرث علمي وفقهي كبير، وما خرّجه من أجيال من العلماء والمجتهدين الذين انتشروا في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
ولد السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي في الخامس عشر من شهر رجب سنة (1317 هـ) الموافق لعام (1899م) في مدينة خوي التابعة لإقليم أذربيجان، في أسرة علمية عُرفت بالتقوى والفضل والعلم. وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره، هاجر إلى مدينة النجف الأشرف برفقة والده السيد علي أكبر الخوئي، ليلتحق بالحوزة العلمية ويبدأ مسيرته في طلب العلوم الدينية.
تلقى السيد الخوئي علومه على يد كبار علماء عصره، فدرس الفقه والأصول والحديث والتفسير والرجال، وتميز بذكائه وقوة حافظته وسعة اطلاعه، حتى نال مرتبة الاجتهاد في سن مبكرة، ثم انصرف إلى التدريس والبحث والتأليف، ليصبح بعد سنوات أحد أعمدة الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
وبعد وفاة المرجع الأعلى محسن الحكيم سنة (1970م)، آلت المرجعية الدينية العليا إلى السيد الخوئي، فتصدى لقيادة شؤون الحوزة العلمية، وأصبح مرجعاً لملايين الشيعة في العراق وإيران ولبنان والخليج وسائر أنحاء العالم. وقد عُرف بحرصه على استقلال الحوزة العلمية وعدم خضوعها للضغوط السياسية، فضلاً عن اهتمامه برعاية طلبة العلوم الدينية ودعم المؤسسات العلمية والخيرية.
وكان للسيد الخوئي دور كبير في خدمة العلوم الإسلامية، إذ ترك عشرات المؤلفات التي أصبحت مراجع أساسية في الدراسات الحوزوية، ومن أبرز مؤلفاته:
معجم رجال الحديث.
البيان في تفسير القرآن.
منهاج الصالحين.
أجود التقريرات.
نفحات الإعجاز.
كما تخرج على يديه عدد كبير من العلماء والمراجع، ومن أبرزهم علي الحسيني السيستاني ومحمد سعيد الحكيم وجواد التبريزي وغيرهم من كبار الفقهاء الذين حملوا فكره العلمي ومنهجه الأصولي.
وفي السنوات الأخيرة من حياته، تعرض السيد الخوئي لمضايقات كبيرة من قبل النظام العراقي السابق، ولا سيما بعد أحداث الانتفاضة الشعبانية عام (1991م)، حيث فُرضت عليه قيود شديدة وأُخضع للإقامة الجبرية لفترة من الزمن.
وفي الثامن من شهر صفر سنة (1413 هـ)، الموافق للثامن من آب عام (1992م)، انتقل السيد أبو القاسم الخوئي إلى جوار ربه في مدينة الكوفة، بعد حياة امتدت أكثر من تسعين عاماً قضاها في خدمة الإسلام والفقه وأهل البيت عليهم السلام، ودُفن في مقبرته الخاصة داخل مسجد الخضراء في النجف الأشرف، تاركاً وراءه مدرسة علمية عظيمة وإرثاً فكرياً لا يزال حاضراً في الحوزات العلمية إلى يومنا هذا.
لقد كان السيد أبو القاسم الخوئي نموذجاً للعالم الرباني والمجتهد الكبير، فجمع بين العلم الغزير، والتواضع، وخدمة الدين، واستحق بجدارة لقب «أستاذ الفقهاء والمجتهدين»، وبقي اسمه منقوشاً في تاريخ المرجعية الدينية الشيعية بوصفه أحد أعظم أعلامها في العصر الحديث.
المصدر
موسوعة تراجم الاعلام / ترجمة السيد ابو القاسم الخوئي
السيرة الذاتية للسيد ابو القاسم الخوئي