مع إشراقة هلال شهر محرم الحرام، تتغيّر ملامح المدن والطرق المؤدية إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، وتنبض القلوب بحب الحسين وخدمته، لتبدأ واحدة من أعظم صور الإيثار والتفاني التي يشهدها العالم.
ففي هذه الأيام المباركة، يتسابق الملايين إلى خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام)، كلٌّ بما يستطيع، ابتغاءً لرضا الله تعالى وحباً لسيد الشهداء.
إن خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست مجرد تقديم الطعام أو الماء، بل هي مدرسةٌ عظيمة في التضحية والبذل والعطاء. نرى أصحاب المواكب الحسينية يتركون أعمالهم وأسرهم، ويقضون أيامهم ولياليهم في إعداد الطعام وتوزيع الماء والشاي والعصائر، وخدمة الزائرين دون كلل أو ملل، رغم ارتفاع درجات الحرارة وشدة التعب والإرهاق.
وفي الأجواء اللاهبة، يقف خدام الحسين ساعاتٍ طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، يوزعون الطعام ويهيئون أماكن الراحة ويقدمون مختلف الخدمات الطبية والإنسانية، وكل ذلك وهم يرددون: "هذا قليل في حق أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)".
كما تتجلى صور العطاء الكبيرة في الجهود المباركة التي يبذلها منتسبو العتبات المقدسة، الذين يعملون ليل نهار من أجل توفير أفضل الخدمات للزائرين. فمن تنظيم حركة الزائرين، وتأمين المياه الباردة، وتنظيف الشوارع والساحات، وتقديم الخدمات الصحية والإرشادية، إلى تهيئة أماكن المبيت والاستراحة، كلها جهود استثنائية تُبذل بروح المسؤولية والولاء للحسين (عليه السلام).
إن ما يقدمه خدام الإمام الحسين (عليه السلام) ومنتسبو العتبات المقدسة يجسد المعنى الحقيقي لرسالة كربلاء، القائمة على التضحية والإيثار وخدمة الإنسان. فالحسين (عليه السلام) لم يكن ثائراً من أجل زمانه فحسب، بل كان مشروعاً إنسانياً خالداً يعلّم الأجيال معنى العطاء بلا حدود.
سلامٌ على الأيادي التي تُعدّ الطعام، وعلى الأقدام التي تسعى لخدمة الزائرين، وعلى الجباه التي يتصبب منها العرق في سبيل الحسين، وعلى كل خادمٍ حمل في قلبه حبَّ أبي عبد الله (عليه السلام)، فكان عنواناً للوفاء والإخلاص.
وعظّم الله أجور جميع خدام الإمام الحسين (عليه السلام)، وجعل ما يقدمونه في ميزان حسناتهم، ورزقهم شفاعة سيد الشهداء يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.