«تركتَ في روحي جمرةً منذ تلك اللحظة التي أغمضتَ فيها مقلتيك، واعتلاني الكسر بعدك يا أخي، يا أبا الفضل العباس».
ما أقسى تلك اللحظات التي وقف فيها الإمام الحسين (عليه السلام) عند جسد أخيه العباس (عليه السلام) على ضفاف العلقمي، بعد أن سقط حامل اللواء، وسند الخيمة، وكفيل الهاشميات. لم يكن سقوط العباس استشهاد رجلٍ فحسب، بل كان انكسارَ ضلعٍ من أضلاع الحسين، وفقدَ القلب لنبضه، والروحِ لطمأنينتها.
لقد كان أبو الفضل العباس (عليه السلام) بالنسبة إلى الحسين أكثر من أخٍ وناصر؛ كان عنوان الوفاء المطلق، وصورة الفداء الخالص، والرجل الذي وهب نفسه كلّها من أجل إمامه ودينه. ولهذا، عندما خرَّ العباس على أرض كربلاء منادياً: «أدركني يا أخي»، أسرع الحسين إليه، وما إن رآه صريعاً حتى قال كلمته التي خلدها التاريخ:
«الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي».
إنها ليست كلمات حزن عابر، بل صرخة قلبٍ فقد أعظم أنصاره، وأصدق إخوته، وأوفى رجاله. ففي تلك اللحظة أحسّ الحسين (عليه السلام) أن راية التضحية قد ارتوت بدم العباس، وأن الخيام فقدت حاميها، وأن الأطفال الذين كانوا ينتظرون الماء قد فقدوا عمّهم الذي كان لهم أباً وملاذاً.
لقد ترك استشهاد أبي الفضل العباس جمرةً متقدةً في قلب الحسين، جمرةً لا تنطفئ، لأن العباس لم يكن مجرد أخٍ في النسب، بل كان أخاً في العقيدة والجهاد والإيمان. ومن هنا بقيت ذكرى العباس رمزاً للوفاء والتضحية والإيثار، وأصبح اسمه يقترن بكل معاني النصرة والإخلاص.
وفي كل عام، حين يهلّ شهر محرم، يستذكر المؤمنون تلك اللحظة الموجعة التي وقف فيها الحسين عند جسد أخيه قائلاً بلسان الحال:
«كيف لا ينكسر ظهري يا عباس، وأنت الذي كنت لي عضداً وسيفاً وركناً شديداً؟ كيف لا تبقى في روحي جمرةٌ وأنت الذي مضيت عطشاناً من أجل أن يبقى دين جدنا محمد (صلى الله عليه وآله) حياً؟».
سلامٌ على أبي الفضل العباس يوم وُلد، ويوم استشهد على شاطئ العلقمي، ويوم يُبعث حياً، وسلامٌ على الحسين الذي حمل بعد أخيه أثقل مصاب، ومضى ثابتاً ليُتمَّ ملحمة الخلود في كربلاء.