في اليوم الثاني من شهر المحرم الحرام سنة 61 للهجرة، بلغ الإمام الحسين (عليه السلام) أرض كربلاء بعد رحلة طويلة بدأت من المدينة المنورة مروراً بمكة المكرمة ثم العراق، حاملاً مشروعه الإصلاحي الذي أراد به إحياء قيم الإسلام المحمدي الأصيل ومواجهة الانحراف الذي أصاب الأمة الإسلامية.
وقبل وصوله إلى كربلاء، اعترضت طريقه قوات الحر بن يزيد الرياحي بأوامر من عبيد الله بن زياد، والي الكوفة، ومنعته من متابعة السير إلى وجهته التي اختارها. وقد وصفت المصادر التاريخية هذا الموقف بـ«جعجعة الركب»، أي حبس الإمام (عليه السلام) والتضييق عليه وإرغامه على النزول في موضع لا يستطيع منه التقدم أو الرجوع.
استمرت هذه الجعجعة أياماً عدة، حيث كان الحر ومن معه يراقبون حركة الركب الحسيني ويمنعونه من الوصول إلى المناطق الآمنة أو القريبة من موارد المياه، حتى انتهى المسير إلى بقعة ستصبح فيما بعد أعظم رمز للتضحية والفداء في التاريخ الإسلامي.
وعندما وصل الإمام الحسين (عليه السلام) إلى تلك الأرض سأل عن اسمها، فقيل له: كربلاء. فتنهد قائلاً: «اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء». ثم التفت إلى أصحابه وقال: «هاهنا مناخ ركابنا، وهاهنا محط رحالنا، وهاهنا مهراق دمائنا».
كان الإمام (عليه السلام) يدرك ما ينتظره في تلك الأرض، فقد أخبره جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بما سيجري عليه فيها. ومع ذلك لم يتراجع عن موقفه، لأنه كان يرى في نهضته واجباً شرعياً وأخلاقياً للدفاع عن الدين وكرامة الإنسان.
ومنذ أن وطئت أقدام الركب الحسيني أرض كربلاء، بدأت تتشكل ملامح الملحمة الخالدة التي ستبلغ ذروتها في العاشر من المحرم، يوم عاشوراء، حيث سطّر الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه أروع صور الصبر والثبات والتضحية في سبيل الحق.
لقد تحولت حادثة ورود الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء من واقعة تاريخية إلى رمز إنساني عالمي يجسد معاني الحرية والعدالة والإصلاح، وبقيت كربلاء شاهدة على أن المبادئ العظيمة قد تُروى بالدم، لكنها لا تموت أبداً، بل تبقى حية في ضمير الأجيال.

المصدر
الشيخ المفيد / الإرشاد ج٢
العلامة المجلسي / بحار الأنوار ج٤٤