يمثل شهر محرم الحرام محطةً مفصلية في التاريخ الإسلامي، فهو أول شهور السنة الهجرية المباركة وأحد الأشهر الحرم التي خصّها الله تعالى بالتعظيم والتكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36].
وقد اكتسب شهر محرم مكانته الاستثنائية في الوجدان الإسلامي لارتباطه بالنهضة الحسينية الخالدة التي جسّد فيها الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) أسمى معاني الإصلاح والكرامة الإنسانية، حين أعلن مشروعه الإصلاحي الخالد بقوله: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».
إن واقعة الطف لم تكن حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل تحولت إلى مدرسة إنسانية عالمية تستلهم منها الشعوب قيم الحرية والعدالة ورفض الاستبداد، فأصبحت كربلاء رمزًا خالدًا للتضحية في سبيل المبادئ، ومنارةً أخلاقيةً تتجاوز حدود الزمان والمكان.
وقد روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يُرى ضاحكًا، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام منه»، في دلالة واضحة على عمق الحضور الروحي والوجداني لهذه الذكرى في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
إن إحياء ذكرى محرم لا يقتصر على استحضار الماضي، بل يمثل استلهامًا دائمًا لقيم الإصلاح والمسؤولية الاجتماعية وترسيخ مبادئ التعايش والعدالة وصون كرامة الإنسان، وهي قيم ما زالت المجتمعات المعاصرة بأمسّ الحاجة إليها.
ومن مدينة كربلاء المقدسة، التي احتضنت ملحمة الشهادة والخلود، تتجدد الرسالة الحضارية للإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا يدعو إلى بناء الإنسان وترسيخ ثقافة الحق والعدل والسلام.

المصدر
الشيخ الكليني / الكافي ج٤ باب فضل شهر محرم

العلامة المجلسي / بحار الانوار ج٤٤ _ ٤٥