عقب سقوط الدولة الأموية سنة 132هـ/750م وقيام الدولة العباسية، سعى العباسيون إلى تعزيز شرعيتهم السياسية واستقطاب مختلف التيارات المعارضة للحكم الأموي.
وفي مقدمتها الأوساط التي كانت تحمل موقفاً معارضاً للأمويين بسبب ما ارتبط بتاريخهم من أحداث وصراعات سياسية. وعلى الرغم من أن بعض الشخصيات المحسوبة على الاتجاهات المؤيدة لأهل البيت شاركت في الحركة التي قادها أبو مسلم الخراساني وأسهمت في نجاح الثورة العباسية، فإن السلطة الجديدة عملت على توظيف خطاب الثأر والانتقام من الأمويين بوصفه أحد وسائل كسب التأييد الشعبي والسياسي.
وتذكر الروايات التاريخية أن من أبرز مظاهر هذا التوجه ما قام به عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، أحد القادة العباسيين البارزين، عندما أقدم على تصفية عدد كبير من أفراد البيت الأموي في إطار سياسة الانتقام من الأسرة الحاكمة السابقة.
وتفيد الرواية بأنه كان جالساً في مجلس ضم عدداً من الهاشميين وبعض أبناء البيت العلوي وأحفاد الصحابي حمزة بن عبد المطلب، فأُدخل عليه نحو مئة وعشرين رجلاً من بني أمية. وعندئذٍ نهض مخاطباً الحاضرين بعبارات استحضر فيها شخصيات هاشمية ارتبطت في الذاكرة التاريخية بالصراع مع الأمويين، فذكر حمزة بن عبد المطلب شهيد أُحد، والإمام الحسين بن علي شهيد كربلاء، وكذلك زيد بن علي ويحيى بن زيد، مقدماً ما كان يعتزم القيام به بوصفه ثأراً لهم وانتقاماً من خصومهم التاريخيين.
وتذكر الرواية أن من بين الحاضرين رجلاً أموياً يدعى غمر بن يزيد بن عبد الملك، وكانت تربطه بعبد الله بن علي معرفة سابقة وعلاقة ودية، فقرّبه إليه وأجلسه إلى جانبه. وفي أثناء المجلس دخل أحد الشعراء وأخذ ينشد قصائد في مدح بني هاشم وذم بني أمية، فاعترض غمر على الشاعر وردّ عليه بكلمات قاسية. وبعد ذلك سلّم عبد الله بن علي الشاعر صرّة من المال قيل إنها كانت إشارة متفقاً عليها مسبقاً، أعقبها دخول مجموعة من رجاله المسلحين الذين باشروا بقتل الحاضرين من بني أمية.
وتتابع الرواية أن عملية القتل شملت جميع من كانوا في المجلس، بمن فيهم غمر بن يزيد، إذ التفت إليه عبد الله بن علي بعد مقتل أقاربه قائلاً إن بقاءه حياً بعد مصرع أبناء عمومته لا طائل منه، ثم أمر بقتله أو باشر ذلك بنفسه بحسب بعض الأخبار.
وتنسب الرواية إلى عبد الله بن علي عبارات عبّر فيها عن شعوره بتحقيق الثأر من بني أمية، مستحضراً أسماء عدد من الشخصيات الهاشمية التي قُتلت في مراحل سابقة من التاريخ الإسلامي، ومعتبراً ما جرى نوعاً من الاقتصاص التاريخي لهم. كما تذكر أنه أمر بجمع جثث القتلى ووضعها في مكان واحد وإغلاقه عدة أيام، ثم أبدى ارتياحه لما حلّ بخصومه، في تعبير يعكس حجم العداء السياسي الذي كان سائداً بين الطرفين في تلك المرحلة.
وتورد بعض المصادر أبياتاً شعرية نُسبت إلى عبد الله بن علي أو قيلت في وصف الحادثة، تعكس روح الانتقام التي صاحبت القضاء على الحكم الأموي، إذ صورت ما جرى بوصفه نهاية لعصر سياسي طويل وبداية لمرحلة جديدة انتقلت فيها السلطة إلى البيت العباسي.
وتُعد هذه الحادثة ـ بصرف النظر عن مدى دقة بعض تفاصيلها في المصادر التاريخية ـ نموذجاً معبّراً عن أجواء التحول السياسي العنيف التي رافقت سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، كما تكشف عن توظيف الذاكرة التاريخية المرتبطة بمقتل شخصيات من أهل البيت وبني هاشم في تبرير أعمال الانتقام السياسي ضد الأسرة الأموية وأنصارها خلال السنوات الأولى من الحكم العباسي.

المصدر : ابن الاثير