شكّلت قضية فدك واحدة من أبرز المحطات التاريخية التي ارتبطت بسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، وأخذت حيزاً واسعاً في المدونات الإسلامية،
لما تمثله من أبعاد عقائدية وتاريخية واجتماعية تتصل بمقام السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وبالعلاقة بين النص الديني والحق الشرعي، فضلاً عن كونها شاهداً تاريخياً على مرحلة حساسة أعقبت رحيل النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد تناولت المصادر الشيعية قضية فدك بوصفها «نِحلةً نبوية» منحها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابنته السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في حياته، بعد أن صارت أرض فدك ملكاً خالصاً له بوصفها من أموال الفيء.
وتبدأ الحكاية التاريخية لفدك بعد أحداث خيبر في السنة السابعة للهجرة، حينما خضع يهود فدك للصلح مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير قتال، فآلت الأرض إلى النبي الكريم بوصفها من أموال الفيء التي لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، فكانت فدك ملكاً خاصاً للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، يتصرف بها وفق ما يراه من مصالح شرعية واجتماعية.
وقد أوردت الروايات الواردة في المصادر الشيعية أن النبي (صلى الله عليه وآله) منح فدكاً لابنته السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تنفيذاً للأمر الإلهي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾، حيث تذكر الروايات أن جبرائيل (عليه السلام) نزل بهذه الآية، فسأل النبي عن المقصود بها، فقيل له: ادفع فدكاً إلى فاطمة (عليها السلام)، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنحها إليها لتكون بيدها وتحت تصرفها.
وقد نقلت جملة من المصادر الشيعية هذا المعنى، إذ أشار الشيخ محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي إلى الروايات التي تناولت حق الزهراء (عليها السلام) في فدك، كما أورد الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي في علل الشرائع ومعاني الأخبار أخباراً تفيد بأن فدك كانت نحلةً للزهراء (عليها السلام)، بينما توسّع الشيخ أحمد بن علي الطبرسي في الاحتجاج في عرض خطبة السيدة الزهراء (عليها السلام) ومرافعتها بشأن حقها، بوصفها مالكة لفدك في حياة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ولم تكن فدك مجرد أرض زراعية أو مورد مالي محدود، بل كانت تمثل مورداً اقتصادياً مهماً، يدار من خلال وكلاء وعمال، وكانت غلاتها تُصرف في وجوه متعددة، منها إعانة الفقراء والمحتاجين وأبناء السبيل، ولذلك اكتسبت القضية بعداً اجتماعياً وإنسانياً فضلاً عن بعدها الشرعي. وتذكر بعض الروايات أن السيدة الزهراء (عليها السلام) كانت تتصرف في واردات فدك في إطار النهج الرسالي لأهل البيت (عليهم السلام)، القائم على التكافل الاجتماعي والإحسان.
وعقب رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، برزت قضية فدك إلى الواجهة عندما طالبت السيدة الزهراء (عليها السلام) بحقها فيها، واحتجّت بأنها كانت نحلةً أعطاها لها أبوها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته، لا إرثاً يُطالب به بعد الوفاة، وهو ما تعكسه خطبتها المشهورة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، والتي تُعد من النصوص الفكرية والعقائدية المهمة في التراث الإسلامي، إذ عرضت فيها الزهراء (عليها السلام) حججها الشرعية، مستندة إلى القرآن الكريم وموقعها من رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وتشير الرؤية الشيعية إلى أن مطالبة الزهراء (عليها السلام) بفدك لم تكن مطالبة مادية أو شخصية، إذ إن مقامها الروحي والزاهد يجعل من المستبعد اختزال القضية في بعدها الاقتصادي، بل تُقدَّم القضية بوصفها دفاعاً عن حق شرعي، وتأكيداً على مبادئ العدالة والالتزام بالنص النبوي، وبياناً لموقع أهل البيت (عليهم السلام) في الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ومن هذا المنطلق، ينظر الفكر الشيعي إلى قضية فدك على أنها واحدة من أبرز القضايا الكاشفة لطبيعة التحولات التي شهدتها الأمة الإسلامية بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، إذ غدت رمزاً للمطالبة بالحق، وشاهداً تاريخياً على مواقف السيدة الزهراء (عليها السلام) في الدفاع عن مبادئ الرسالة المحمدية، بما تمثله شخصيتها من امتداد روحي وأخلاقي وعلمي لبيت النبوة.
إن استحضار قضية فدك في الوعي الإسلامي لا يعني استدعاء حدث تاريخي بمعزل عن واقعه، بل هو استحضار لقيم العدالة والإنصاف وصيانة الحقوق، وفهم لطبيعة المسؤولية التي نهض بها أهل البيت (عليهم السلام) في حفظ رسالة الإسلام والدفاع عن مقاصدها العليا. لذلك بقيت فدك حاضرة في الذاكرة الدينية والثقافية، لا بوصفها قطعة أرض، بل باعتبارها رمزاً للحق وموقفاً من مواقف الصدق والثبات والإيمان

المصدر
كتاب الكافي / الشيخ محمد بن يعقوب الكليني
كتاب بحار الانوار / العلامة محمد بن باقر المجلسي / أبواب فدك