تُعدّ ذكرى شهادة مسلم بن عقيل من المحطات التاريخية والوجدانية العميقة في الوعي الإسلامي، ولا سيما في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
إذ تمثل هذه الشخصية صورةً ناصعة للوفاء والعقيدة والثبات على المبدأ، وتجسد أولى صفحات التضحية في نهضة الإمام الحسين عليه السلام. ففي التاسع من شهر ذي الحجة، يوم عرفة على المشهور، ارتقى مسلم بن عقيل شهيداً في الكوفة بعد رحلة مليئة بالمواقف المصيرية التي كشفت حجم التحولات السياسية والاجتماعية التي سبقت واقعة الطف، وأظهرت حجم التحديات التي واجهت مشروع الإصلاح الحسيني.
ينتمي مسلم بن عقيل إلى بيت النبوة والرسالة، فهو ابن عقيل بن أبي طالب وابن عم الإمام الحسين عليه السلام، كما تربى في كنف البيت الهاشمي المعروف بالإيمان والشجاعة والولاء، وقد كان موضع ثقة الإمام الحسين عليه السلام لما عرف عنه من رجاحة عقل وصدق إيمان وقوة شخصية، الأمر الذي دفع الإمام إلى اختياره سفيراً وممثلاً عنه إلى الكوفة بعد الرسائل الكثيرة التي بعثها أهلها معلنين رغبتهم في مبايعته ورفضهم لحكم يزيد بن معاوية.
كانت الكوفة آنذاك تعيش حالة من التذمر السياسي والاجتماعي نتيجة سياسات السلطة الأموية، وقد رأى كثير من أهلها في الإمام الحسين عليه السلام رمزاً للعدالة والإصلاح، فانهالت الرسائل عليه حتى قيل إنها بلغت الآلاف، تطلب منه القدوم وتؤكد استعدادهم للنصرة والبيعة، ولم يكن الإمام الحسين عليه السلام ليتخذ قراراً بهذه الحساسية دون التثبت من صدق المواقف، فبعث ابن عمه مسلم بن عقيل ليستطلع الأوضاع وينقل حقيقة المشهد السياسي والاجتماعي في المدينة.
وصل مسلم إلى الكوفة وسط ترحيب واسع، ونزل أولاً في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي ثم انتقل إلى دار هانئ بن عروة بعد تصاعد الضغوط الأمنية، وسرعان ما التف حوله الناس وأعلنوا البيعة للإمام الحسين عليه السلام حتى تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن أعداد المبايعين بلغت عشرات الآلاف، الأمر الذي دفع مسلم إلى إرسال رسالة إلى الإمام الحسين عليه السلام يطمئنه فيها إلى استعداد الناس ويدعوه للحضور.
غير أن التحولات السياسية كانت أسرع وأكثر تعقيداً مما بدا في ظاهر الأمر، إذ استشعر يزيد بن معاوية خطورة الوضع في الكوفة فعزل واليها النعمان بن بشير وعيّن عبيد الله بن زياد والياً عليها، وهو رجل عُرف بالشدة والدهاء السياسي والقمع، فدخل الكوفة متخفياً وأخذ يعمل على تفكيك الحاضنة الشعبية لمسلم بن عقيل عبر التهديد والترهيب وشراء الذمم واستمالة زعماء القبائل، حتى بدأت حالة الانفضاض التدريجي عن مسلم تظهر بصورة واضحة.
لقد كشفت حادثة مسلم بن عقيل عن أزمة عميقة في البنية الاجتماعية والسياسية للكوفة، فبينما كانت الحماسة الشعبية في البداية كبيرة، فإن الخوف من بطش السلطة وضعف الثبات العقائدي لدى كثير من الناس جعلا المواقف تتبدل بسرعة، حتى انتهى الأمر بمسلم وحيداً بعدما كان محاطاً بالآلاف، في صورة مؤلمة تختصر حجم الخذلان الذي سبق فاجعة كربلاء.
وفي واحدة من أكثر المشاهد تأثيراً في التاريخ الإسلامي، خرج مسلم بن عقيل وحيداً في أزقة الكوفة بعدما تفرق عنه الناس، حتى رُوي أنه لم يجد من يدله على الطريق أو يؤويه، إلى أن وصل إلى دار امرأة مؤمنة عُرفت بطوعَة، فأكرمته وآوته رغم المخاطر، لتسجل موقفاً إنسانياً خالداً في نصرة الحق حين تخاذل الكثيرون.
لكن أمر مسلم لم يلبث أن انكشف بعد إخبار ابن طوعة السلطات بمكانه، فأُرسلت القوات لمحاصرته، وخاض مسلم مواجهة بطولية أظهرت شجاعته وثباته، إذ قاتل قتال الأبطال رغم قلة الناصر وكثرة الأعداء حتى أُنهك بالعطش والجراح، قبل أن يُؤخذ أسيراً إلى قصر عبيد الله بن زياد. وهناك دار حوار يكشف عن عظمة شخصيته وصلابة موقفه، فلم يتراجع عن مبادئه ولم يُبدِ ضعفاً أو خضوعاً رغم إدراكه لقرب الشهادة.
وحين اقتيد إلى الموت طلب مسلم أن يوجّه رسالة إلى الإمام الحسين عليه السلام يحذره فيها من المجيء إلى الكوفة قائلاً إن أهلها قد كذبوه وخذلوه، في موقف يعكس ذروة الإخلاص والمسؤولية حتى في لحظاته الأخيرة. ثم أُمر به فصعد إلى أعلى القصر وضُربت عنقه وألقي جسده الشريف، ليكون أول شهيد في النهضة الحسينية المباركة وأول الدماء التي مهّدت لفاجعة عاشوراء.
إن ذكرى شهادة مسلم بن عقيل لا تُقرأ بوصفها حادثة تاريخية فحسب، بل باعتبارها درساً حضارياً وأخلاقياً وسياسياً عميقاً، فهي تكشف خطورة التردد والتقلب أمام المواقف المصيرية، وتؤكد أن الانتماء اللفظي لا يكفي ما لم يقترن بالثبات والتضحية، كما تبرز قيمة الوفاء والصدق في نصرة المبادئ مهما عظمت التحديات. لقد كان مسلم سفيراً للحق وحاملاً لمشروع الإصلاح الحسيني، واستشهد وهو يؤدي واجبه في سبيل قضية آمن بها حتى النهاية، ليبقى اسمه رمزاً للشجاعة والوفاء والثبات على المبدأ.
وتحمل هذه الذكرى دلالات وجدانية خاصة في المجتمعات الإسلامية، ولا سيما في العراق، إذ ترتبط بمدينة الكوفة التي شهدت أحداثاً مفصلية من التاريخ الإسلامي، كما يستحضر المؤمنون فيها معاني الغربة والخذلان التي سبقت مأساة كربلاء، ليبقى استذكار مسلم بن عقيل مناسبة للتأمل في مسؤولية الإنسان تجاه الحق، وضرورة الثبات على الموقف وعدم الانجرار وراء الخوف أو المصالح الآنية، لأن التاريخ لا يخلّد كثرة العدد بل يخلّد صدق الموقف.

المصدر
بحار الأنوار / اجزاء مقتل الامام الحسين عليه السلام واخبار مسلم بن عقيل
الإرشاد / باب خروج الإمام الحسين عليه السلام واخبار مسلم بن عقيل