يوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة ويُعدّ من الأيام المباركة والمهمة في مناسك الحج لما يمثله من بداية الانتقال العملي إلى المشاعر المقدسة ومرحلة التهيؤ الروحي والجسدي لأداء الركن الأعظم من الحج وهو الوقوف بعرفة وقد اكتسب هذا اليوم أهمية خاصة في التراث الإسلامي والفقه الإمامي لما ورد بشأنه من أعمال وآداب وأحكام ترتبط بسير الحاج واستعداده المعنوي للدخول في أعظم المشاهد العبادية الجامعة للمسلمين وقد سُمّي يوم التروية بهذا الاسم لأن الحجاج في الأزمنة القديمة كانوا يتزوّدون فيه بالماء ويرتوون استعداداً للانتقال إلى منى ثم عرفة بسبب قلة المياه في تلك المواضع وهو ما ذكره عدد من علماء اللغة والفقه والتاريخ كما وردت إشارات في بعض الروايات إلى ارتباط التسمية بتروي النبي إبراهيم عليه السلام في الرؤيا المتعلقة بذبح ولده إسماعيل عليه السلام إلا أن المعنى الأشهر في المصادر الفقهية هو التزوّد بالماء ويبدأ الحجاج في هذا اليوم بالإحرام للحج ثم التوجه إلى منى والمبيت فيها استعداداً للوقوف بعرفة في اليوم التاسع وقد وردت في الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام استحبابات وأعمال خاصة بهذا اليوم تؤكد أهميته الروحية إذ رُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بيان آداب الخروج إلى منى والمبيت فيها وذكر الله تعالى والتأهب ليوم عرفة الذي يمثل ذروة الرحلة الإيمانية للحاج كما يعكس يوم التروية فلسفة التدرج في العبادة حيث لا ينتقل الحاج مباشرة إلى أعظم أركان الحج وإنما يمر بمرحلة إعداد نفسي وروحي وتربوي يراجع فيها نفسه ويتهيأ للوقوف بين يدي الله تعالى في عرفة وفي هذا المعنى تتجلى أبعاد تربوية عميقة تتمثل في الصبر والانضباط والتجرد من مظاهر الدنيا والتسليم لأمر الله سبحانه إذ يلبس الحجاج لباس الإحرام ويتساوون في الهيئة والمظهر بما يرسخ مفهوم المساواة الإنسانية والوحدة الإسلامية ويؤكد الفقه الإمامي على استحباب الخروج إلى منى يوم التروية والمبيت فيها تأسياً بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام كما وردت الأدعية والأذكار المرتبطة بالمقام في كتب الأدعية والزيارات والمناسك ومن هنا فإن يوم التروية لا يمثل مجرد محطة زمنية في مناسك الحج بل يشكل مدخلاً روحياً وتربوياً إلى أعظم أيام الله حيث ينتقل الإنسان من الانشغال بأمور الحياة إلى مقام الحضور القلبي والخشوع والاستعداد للتوبة والمغفرة في يوم عرفة ولذلك ظل هذا اليوم حاضراً في الثقافة الدينية الإسلامية بوصفه يوماً للاستعداد والإخلاص والانقطاع إلى الله وتجسيداً عملياً لمعاني الطاعة والتسليم والامتثال.
المصدر
بحار الأنوار / أبواب الحج وفضائل الايام والمشاعر