يُعدّ سوق الهرج أحد النماذج الدالة على تطور الأسواق التقليدية في مدينة كربلاء خلال الحقبة الملكية المبكرة، إذ شكّل فضاءً اقتصادياً واجتماعياً متكاملاً ضمن منطقة ما بين الحرمين الشريفين، قبل أن تنهيه التحولات العمرانية سنة 1935م
تُظهر المعطيات التاريخية أن السوق كان يتموضع ما بين الحرمين بمحاذاة دور آل السندي ، ممتدًا من حمام النواب حتى القيصرية، التي مثّلت نقطة انتقال إلى سوق الصفّارين عبر مسار عمودي (سُلّم)، بما يعكس ترابط الأسواق الحرفية ضمن شبكة حضرية متداخلة. وقد اتخذ السوق طابع "الهراج" (المزاد العلني) كآلية رئيسة للتداول، وهو نمط يعكس اقتصادًا مرنًا قائمًا على إعادة تدوير السلع المنزلية وتبادلها
اقتصاديًا، تولّى إدارة عمليات الوساطة أربعة دلالين بارزين: السيد صالح الموسوي، كريم عذاب، أمين الأطرقجي، وابن عوز، حيث مارسوا وظيفة "الدلالة" بوصفها مؤسسة غير رسمية لتنظيم السوق، مع اعتماد نموذج تقاضي مزدوج من البائع والمشتري. وتشير القراءة الزمنية لنشاط السوق إلى ذروة صباحية حتى الظهيرة، يقابلها تحوّل مسائي نحو تجارة الملابس والحاجيات المنزلية، ما يدل على تعددية وظيفية زمنية داخل الفضاء ذاته.
عمرانيًا، اتسم السوق بكونه مسقّفًا ومحدّد المعالم، إذ ضمّ نحو عشرين دكانًا موزعة بشكل متناظر على جانبيه، الأمر الذي يعكس نمط التخطيط الخطي للأسواق التقليدية. وقد أحاطت به وحدات سكنية وتجارية تعود لشخصيات محلية معروفة، من بينها آل السندي والعبايجي والأطرقجي وعوز، الذين تنوّعت أنشطتهم بين العطارة وبيع الأفرشة والسجاد، فضلًا عن المشاركة في عمليات الهراج.
كما ضمّ السوق مرافق خدمية مهمة، أبرزها حمام النواب (للنساء) قرب عكد الدامادة، وحمام الرجال ضمن فضائه، في دلالة على تكامل الوظائف الخدمية والتجارية. وارتبط السوق بشبكة من الأسواق التخصصية عبر ممرات متفرعة، منها سوق التنكجية والسراجة والساعاتية، وصولًا إلى سوق الصفّارين، ما يعكس بنية اقتصادية عضوية قائمة على التخصص والتكامل.
وفي سياق التحول الحضري، يورد الحاج علي قنصل شهادة توثيقية تفيد بأن السوق كان يضم "عشرة دكاكين ونيف" قبل إزالته ضمن مشروع فتح شارع البلوش في عهد المتصرف صالح جبر عام 1935م. وقد مرّ هذا المحور الحضري لاحقًا بتحولات اسمية، بدءًا من شارع عبد الكريم قاسم، وصولًا إلى تسميته الحالية بشارع الإمام علي (ع)، في إطار إعادة تشكيل الفضاء المديني.
تحليليًا، يمكن قراءة سوق الهرج بوصفه وحدة اقتصادية-اجتماعية ذات طابع شبه مؤسسي، أسهمت في تنشيط حركة التبادل الشعبي وتوفير فضاء تفاعلي للسكان، قبل أن تُستبدل ضمن مشاريع التحديث العمراني. ويؤكد ذلك أهمية توثيق هذه الفضاءات بوصفها مكونات أساسية في الذاكرة الحضرية لمدينة كربلاء، وركائز لفهم التحولات البنيوية في اقتصاديات المدن الدينية.
المصدر : معجم المعالم التراثية – سلمان هادي ال طعمة – ص68-ص69