من أزقة "جبيل" العريقة، ومن قلب التجربة المسيحية اللبنانية المنفتحة، برز الشاعر جورج شكور كصوتٍ شعري لا يعرف الحدود الطائفية، بل يرى في القيم الإنسانية الكبرى وطناً شعرياً واحداً. شكور، الذي ولد عام 1935 في قرية "شيخان"، لم يكن شاعراً عادياً؛ بل كان "نساجاً" بارعاً جمع خيوط ثقافته من ترانيم الكنيسة وألق القرآن الكريم، ليفجر في قصيدته بلاغةً استلهمها من "نهج البلاغة"، فأضحى شعره جسراً بين الأديان والقلوب.
في دراسة حديثة، صدرت عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة، تناولت "ملحمة الإمام الحسين (عليه السلام)" لجورج شكور، يبرز تساؤل جوهري: هل اكتفى الشاعر بسرد الحدث التاريخي المأساوي؟ الحقيقة أن شكور لم يقع في فخ "الناظم التاريخي"، بل قدم رؤية فنية معاصرة. لقد استطاع هذا الشاعر المسيحي أن يغوص في "ما ورائيات" واقعة الطف، ليخرجها من إطارها الزمني الضيق ويجعلها قضية إنسانية عابرة للعصور.
تتميز ملحمة شكور، كما تكشف الدراسات التحليلية، بكونها ثورة على "الغنائية" التقليدية. فالشاعر لم يكتفِ بالآهات والوجدانيات، بل استعار من النثر تقنياته البارعة. لقد هدم الفواصل بين الأجناس الأدبية، موظفاً "السرد" و"الحوار" لبناء مشهدية سينمائية تجعل القارئ يعيش اللحظة الحسينية بكل تفاصيلها.
ولعل أبرز ما ميز عمله هو استخدام "المونولوج" (الحوار الداخلي). فالحسين (عليه السلام) في قصيدة شكور لا يتكلم فقط مع أصحابه أو أعدائه، بل يناجي ذاته والكون، مما حول "المونولوج" إلى أداة لبناء المشهد الكربلائي بعمق فلسفي ونفسي نادر، كاشفاً عن خبايا النفوس الدافعة للتضحية.
لم يكن الإمام الحسين عند جورج شكور مجرد شهيد من القرن السابع، بل هو "بوصلة" لواقعنا المعاصر. لقد دمج الشاعر جراحات الحاضر بمشاهد الطف، جاعلاً من استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) علاجاً لواقعنا المتخم بالظلم والتراجع. فالمناجاة في شعره ليست بكاءً على الأطلال، بل هي دعوة للتأمل والاستنهاض.
إن تجربة جورج شكور تثبت أن عظمة الإمام الحسين (عليه السلام) هي ملك للإنسانية جمعاء. فحين يكتب الشاعر المسيحي عن "عاشوراء" بهذا الصدق وهذه التقنية الفنية العالية، فإنه يؤكد أن "البلاغة" و"الحق" هما لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة.
لقد كانت "ملحمة الحسين (عليه السلام) " لجورج شكور أكثر من مجرد ديوان شعر؛ لقد كانت صلاة أدبية في محراب الحق، وبرهاناً على أن الأدب العربي المعاصر قادر على تطويع التاريخ لخدمة الإنسان والجمال.
المصدر/ مجلة السبط العلمية، المجلد الثاني عشر، العدد الأول، كانون الثاني 2026م.