وتنقل موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، عن "تكسيرا" قوله إن كربلاء والنجف كانتا تخضعان لسلطة "المير ناصر المهنا"، الذي كان يطلق على نفسه لقب "ملك"، مع إقراره بالولاء للسلطة العثمانية، مشيراً إلى أن واردات الأراضي في المنطقة كانت بيد الأتراك، فيما كانت الإدارة الفعلية تخضع لتوازنات دقيقة بين الحاميات العثمانية وزعامات البادية.
ويستدل الرحالة على اضطراب الأوضاع الأمنية بحادثة شاهدها بنفسه، تمثلت في قيام أتباع "المير ناصر" بقتل أربعة وثلاثين من رجال الحكومة التركية في كربلاء، وسلب ممتلكاتهم وبيعها علناً، مرجعاً تفشي الفوضى إلى انشغال الدولة العثمانية بحروبها مع إيران آنذاك.
كما توقف "تكسيرا" عند فئة من الجيش المحلي عُرفت بـ "السكمانيين"، ممن كانوا يتبعون الإدارة العثمانية، وقد صادف وجود أربعين منهم في الخان الذي أقام فيه، حيث وصفهم بسوء السلوك وكثرة التجاوز على الأهالي، مشيراً إلى حالة الخوف التي كانوا يثيرونها بين السكان، ما يعكس هشاشة الضبط العسكري في المدينة خلال تلك المرحلة.
ولإكمال الصورة التاريخية، فقد أورد الباحث "جعفر الخياط" تعليقاً مستنداً إلى ما ذكره المؤرخ البريطاني "ستيفن همسلي لونكريك"، الذي بيّن أن المير "ناصر بن مهنا" كان يسيطر مطلع القرن السابع عشر على المنطقة الممتدة من النجف إلى الفلوجة، وأن كربلاء كانت مركز ديرته، حيث تُجبى "الخاوة" من المسافرين المارين في أراضيه، في ظل اعتراف اسمي بالولاء للسلطان العثماني، وتشير هذه الروايات إلى أن الحاميات التركية في العتبات المقدسة لم تكن تمكث إلا بإذن الشيخ، وأن نهايتها في كربلاء عام 1604م كانت وخيمة، وفق ما تناقلته المصادر.
وتكشف شهادة "تكسيرا"، كما وردت في الموسوعة، عن مرحلة دقيقة من تاريخ المدينة، اتسمت بتشابك السلطة بين العثمانيين وزعماء البادية، وبتحديات أمنية ألقت بظلالها على حركة السكان والزائرين، في مدينة حافظت رغم ذلك على مكانتها الدينية والروحية في وجدان المسلمين.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية، المحور التاريخي، ج1، 2019، ص40-42.