يُشكل "الحي الصناعي القديم" في كربلاء المقدسة (المعروف محلياً بالصناعة) واحداً من أهم الشواهد الحية على التحول الاقتصادي والحضري للمدينة.
فهذا المكان ليس مجرد تجمع لورش صيانة السيارات والحدادة والخراطة، بل هو نتاج إستراتيجية تنظيمية بدأت قبل عقود لإنقاذ الهوية السياحية والدينية لمركز المدينة، ونقل الحرف الثقيلة إلى منطقة عزل مخصصة.
فهذا المكان ليس مجرد تجمع لورش صيانة السيارات والحدادة والخراطة، بل هو نتاج إستراتيجية تنظيمية بدأت قبل عقود لإنقاذ الهوية السياحية والدينية لمركز المدينة، ونقل الحرف الثقيلة إلى منطقة عزل مخصصة.
حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت كربلاء تفتقر إلى منطقة صناعية معزولة؛ حيث كانت ورش الحدادة، "الصفارة" (صناعة النحاس)، سبك المعادن، وصيانة المركبات وعربات الخيول، تتداخل بشكل عشوائي مع الأزقة السكنية والتجارية المحيطة بالمرقدين المقدسين، ولا سيما في محلات: "باب الخان"، "باب الطاق"، و"العباسية العتيقة".
ومع الطفرة السكانية ودخول السيارات والآلات الحديثة، باتت الضوضاء، والروائح، والمخلفات البيئية الناتجة عن أفران الصهر (الكور) تشكل عائقاً أمام التوسع العمراني ومقلقة لراحة الزائرين والأهالي، مما دفع بلدية كربلاء آنذاك للبحث عن حل جذري.
في منتصف سبعينيات القرن العشرين، اتخذت الجهات التخطيطية قراراً تاريخياً بترحيل كافة "المهن المقلقة للراحة" وإلزام أصحاب الورش بالانتقال إلى الموقع الحالي لـ "الحي الصناعي القديم" الواقع على طريق (كربلاء - النجف).
• الهدف التخطيطي: تم اختيار الموقع ليكون على أطراف المدينة (في ذلك الوقت) لتسهيل حركة الشاحنات الثقيلة (التريلات) وتوفير مساحات واسعة لا تتوفر في مركز المدينة الضيق.
• الهيكلة والتقسيم: جرى تقسيم الحي تنظيماً إلى قطاعات (بلوكات)؛ خُصص بعضها لـ ميكانيك الديزل وسيارات الحمل، وقطاعات أخرى لـ الخراطة والتوريدات الهندسية، فيما حظيت مهنة الحدادة وتشكيل الهياكل الحديدية بحصة الأسد من المساحات نظراً لارتباطها المباشر بحركة البناء النشطة في المحافظة.
لم يكن الانتقال مجرد نقل للمعدات، بل كان نقلاً لثقافة مهنية توارثتها أجيال كربلائية عريقة. في هذا الحي، استقر كبار "أسطوات" الولدين (اللحام)، والخراطة، والحدادة؛ حيث تحولت ورشهم إلى مدارس مهنية حقيقية تخرج منها مئات الحرفيين الشباب تحت نظام "الصانع والأسطى" الصارم، مما حافظ على جودة المنتجات الحديدية والهندسية التي تميزت بها المحافظة.
اليوم، يواجه الحي الصناعي القديم التحدي ذاته الذي تسبب في نشأته قبل 50 عاماً؛ فبسبب الانفجار السكاني والزحف العمراني، أصبح الحي محاطاً بالأحياء السكنية (مثل الأحياء المحاذية لطريق التحدي والنجف)، وتحول من منطقة أطراف إلى منطقة تكاد تكون في قلب التوسع الجديد للمدينة.
هذا الواقع دفع الحكومة المحلية مؤخراً إلى إطلاق مشروع "مجمع كربلاء الحديث للأنشطة الاستثمارية والصناعية والخدمية" (بمساحة 825 دونماً) على مسار طريق التنمية، والذي يمثل الامتداد التاريخي والتطوري الجديد لهذا الحي. ويهدف المجمع الحديث إلى استيعاب ورش الحي الصناعي القديم وتنظيمها وفق مواصفات بيئية وعمرانية حديثة تنهي عشوائية التوسع الحالي وتدشن مرحلة "صُنع في كربلاء" بشكل متطور.
المصدر/
"دراسة الواقع الاقتصادي لمحافظة كربلاء المقدسة وآفاقه المستقبلية والتخطيط الإقليمي"، جامعة كربلاء - كلية الإدارة والاقتصاد (منشور عام 2024). (يركز هذا البحث على البنية التحتية لـ "الحي الصناعي القديم"، التحديات البيئية الناتجة عن محاصرة الأحياء السكنية له، والخطط الإقليمية الرامية لنقله إلى المجمعات