تتحول مدينة كربلاء المقدسة في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم الحرام إلى شاخص بصري وزمني يختزل مئات السنين من التاريخ والتقاليد. ومع إطلالة هلال عاشوراء.
لا يقتصر المشهد في المدينة على البعد الطقسي المعاصر، بل يستدعي إرثاً تاريخياً وثقافياً طويلاً تشابكت فيه التحولات السياسية والاجتماعية، ليرسم لوحة فريدة من الهوية الوطنية والتعايش المجتمعي الإنساني.
لا يقتصر المشهد في المدينة على البعد الطقسي المعاصر، بل يستدعي إرثاً تاريخياً وثقافياً طويلاً تشابكت فيه التحولات السياسية والاجتماعية، ليرسم لوحة فريدة من الهوية الوطنية والتعايش المجتمعي الإنساني.
يرصد مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة، تبايناً حاداً في طبيعة إحياء هذه الأيام عبر العصور. فبعد الإعلان الرسمي الأول للطقوس العزائية في العهد البويهي (القرن الرابع الهجري)، مرت المدينة بقرون من التأرجح بين التقييد والحرية.
ففي العهد العثماني، اضطر الكربلائيون في فترات التضييق إلى تحويل بيوتهم وسراديبهم تحت الأرض إلى مجالس سرية للحفاظ على شعائرهم، قبل أن يشهد العهد الملكي العراقي (1921 - 1958) استقراراً تنظيمياً كبيراً برزت فيه الأطراف والمحلات التراثية؛ ليعقب ذلك الحظر الشديد والمنع الصارم بقوة السلاح في العقود الأخيرة من القرن الماضي. واليوم، تترجم كربلاء هذا الإرث التاريخي عبر تحولها إلى حاضنة لأكبر التجمعات البشرية والزيارات المليونية المنظمة عالمياً.
إن الغوص في الذاكرة التراثية لكربلاء خلال عاشوراء يضعنا أمام لوحة "أطراف المدينة" الأربعة القديمة (العباسية، المخيم، باب السلالمة، وباب الطاق). في هذه الأزقة الضيقة، كانت الاستعدادات لعاشوراء تبدأ بصناعة "المشاعل" الحديدية الضخمة وضبط "قدور الصفر" النحاسية العملاقة لطبخ الأكلات الكربلائية التراثية الشهيرة كـ "القيمة والهريسة" على حطب الأشجار، في ممارسة اجتماعية تشاركية تعزز أواصر التكافل والاندماج الاجتماعي.
وفي سياق البحث في السلم المجتمعي والتنوع الذي ميز المدينة، تُظهر وثائق العهدين العثماني والملكي ملمحاً إنسانياً بارزاً تجسد في طبيعة العلاقة بين طقوس عاشوراء والجالية اليهودية التي كانت تقطن قلب كربلاء القديمة وتحديداً في زقاقها الشهير "عَگد اليَهودي" ومحيط سوق العلاوي.
وتشير المرويات التاريخية الشفهية والمدونة في أرشيفاتنا إلى أن العائلات اليهودية الكربلائية كانت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي المحترم للمناسبة؛ حيث كان التجار اليهود يغلقون محالهم التجارية بالكامل في الأيام العشرة الأولى من محرم الحرام تعبيراً عن تضامنهم مع أحزان أهالي المدينة. ولم يقتصر الأمر على الحداد، بل كان تجار الأقمشة من اليهود المجهز الرئيس للرايات وأكفان التشابيه التراثية لواقعة الطف، فضلاً عن مساهمة بعض الشخصيات اليهودية بتقديم الدعم اللوجستي والمواد الأولية للمواكب الحسينية المارة بمناطق نفوذهم التجاري، في صورة تاريخية ناصعة للتعايش الديني المرتكز على قيم الحسين الإنسانية الجامعة.
إن أيام عاشوراء في كربلاء ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هي وثيقة حية تتجدد سنوياً لتكشف عن عمق هذه المدينة وقدرتها العالية على صهر شتى الثقافات والمكونات في بوثقة واحدة عنوانها الكرامة الإنسانية. ويبقى مركز كربلاء للدراسات والبحوث ملتزماً بنبش هذه الكنوز التاريخية وتوثيقها لتظل منارةً معرفية للأجيال القادمة.
المصادر/
• موسوعة كربلاء الحضارية، إصدار: مركز كربلاء للدراسات والبحوث (تضم عشرات الأجزاء التي توثق المحاور التاريخية والاجتماعية والوثائق العثمانية للمدينة).
• معجم المعالم التراثية في كربلاء، تأليف: المؤرخ الدكتور سلمان هادي آل طعمة، إصدار: مركز كربلاء للدراسات والبحوث.
• تاريخ كربلاء قديماً وحديثاً، تأليف: سعيد رشيد زميزم، (يوثق الحركات العلمية والتحولات التاريخية للمدينة)