كربلاء المقدسة – شكّلت مهنة السقاية واحدة من أبرز المهن الشعبية القديمة في العراق وكربلاء، إذ ارتبطت بتوفير مياه الشرب النظيفة للسكان في الأزمنة التي سبقت مشاريع الإسالة الحديثة، فيما اكتسبت هذه المهنة مكانة اجتماعية وإنسانية بسبب دورها في إغاثة العطاش وخدمة الفقراء.
وتشير المصادر إلى أن كلمة “السقاية” مشتقة من الجذر العربي “سقى”، وتعني الموضع الذي يُتخذ لتقديم الشراب، وقد برزت أهميتها نتيجة صعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب، فضلاً عن المشكلات الصحية المرتبطة بتلوث المياه وتقلبات المناخ.
وكان السقاؤون ينقلون المياه من الأنهار، ولاسيما نهر دجلة، إلى الأحياء السكنية بواسطة القرب أو بغال الروايا، مقابل أجور محددة، فيما اعتمد بعضهم على مواقع خاصة قرب النهر للحصول على مياه أكثر نقاءً. كما عدّ بعض الفقهاء مياه الشرب الموضوعة في المساجد والجوامع من حقوق الفقراء والمحتاجين.
وتعود جذور مهنة السقاية في العراق إلى العصر العباسي، إذ ظهرت بشكل واضح أثناء بناء مدينة بغداد في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، حين كان السقاؤون يزوّدون البنائين والعمال بالماء لمواجهة العطش أثناء العمل.
وانقسم السقاؤون إلى نوعين؛ الأول يتولى نقل المياه إلى المنازل باستخدام الدلاء والقرب مقابل اشتراكات أسبوعية أو شهرية، بينما كان النوع الثاني يجوب الأسواق والمقاهي والشوارع حاملاً قرب الماء والعصائر وعرق السوس، مستخدمين أساليب شعبية مميزة في النداء والترويج لبضاعتهم، حتى أصبحت لبعضهم نغمات خاصة اشتهروا بها بين الناس.
كما ارتبطت مهنة السقاية بالمقاهي الشعبية في بغداد، مثل مقهى حسن عجمي ومقهى الشابندر، حيث كان السقاؤون يبيعون المياه والعصائر للزبائن رغم توفرها داخل المقاهي. واشتهر باعة عرق السوس بأساليبهم الخاصة في المناداة التي ميّزتهم عن غيرهم من السقائين.
ومع تطور شبكات المياه الحديثة وانتشار المياه المعبأة، تراجعت مهنة السقاية بشكل كبير، ولم يبقَ منها اليوم سوى صور وذكريات يحتفظ بها أحفاد السقائين، إلى جانب الأمثال والحكايات الشعبية التي توثق حضور هذه المهنة في الذاكرة العراقية.