لم تكن دواوين محلة باب السلالمة في كربلاء مجرد أبنيةٍ تُقام فيها المجالس العشائرية، بل كانت فضاءاتٍ نابضة بالحياة تختزن ذاكرة المدينة وروحها الاجتماعية والثقافية. ففي أروقتها تداخل صوت الحكمة مع عبق الكرم، واجتمعت قيم الأصالة والتآخي تحت سقوفٍ ظلّت مفتوحة لأبناء المحلة وزائريها على حدٍّ سواء.
ومن بين أشهر تلك الدواوين برز ديوان الحاج محمد شهيب المياحي، وديوان الحاج علوان الهر الخفاجي، وديوان السيد نور الياسري الذي شهد انعقاد أول اجتماع لثورة العشرين، فضلاً عن ديوان عشيرة السلامين وديوان عشيرة النصاروة، وهي دواوين ارتبطت بتاريخ المحلة ووجدان أهلها، وأدّت أدواراً تجاوزت حدود الشأن العشائري إلى ميادين الفكر والأدب والعمل الوطني.
فقد كانت هذه الدواوين منتدياتٍ أدبية تتردد فيها القصائد والأحاديث الثقافية، ومجالس تُتداول فيها أخبار البلاد وأحوال الناس، كما تحولت إلى مضائف عامرة تستقبل الزائرين الوافدين إلى مدينة الإمام الحسين عليه السلام، فتمنحهم دفء الضيافة الكربلائية المعهودة. ولم تغب عنها الروح الوطنية، إذ احتضنت اللقاءات والمشاورات التي أسهمت في صياغة المواقف الاجتماعية والوطنية خلال المحطات المفصلية من تاريخ العراق.
وهكذا بقيت دواوين باب السلالمة شاهداً حيّاً على صورة المجتمع الكربلائي المتماسك، بما حملته من قيم الشهامة والكرم والعلم والأدب، لتغدو صفحاتٍ مضيئة في سجل التراث الاجتماعي لمدينة كربلاء.