ضمن جهوده العلمية الرامية إلى توثيق الذاكرة الاجتماعية والثقافية لمدينة كربلاء المقدسة، يواصل مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة اهتمامه بدراسة التحولات الحضارية والمؤسسات الاجتماعية التي أسهمت في تشكيل البنية الثقافية للمدينة عبر مختلف المراحل التاريخية، ومن أبرزها “المقهى الكربلائي” بوصفه فضاءً اجتماعياً وثقافياً ذا أبعاد تاريخية ووظيفية متعددة. وتُظهر المعطيات التاريخية أن المقاهي في كربلاء لم تكن مجرّد أماكن للترفيه أو تقديم المشروبات، بل أدّت أدواراً اجتماعية وثقافية وسياسية مهمة، إذ تحولت منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى مراكز للتواصل المجتمعي وتبادل الآراء والأخبار، فضلاً عن كونها ملتقى للوجهاء والأدباء وأصحاب الحرف والتجار، الأمر الذي منحها مكانة خاصة في الحياة العامة للمدينة. وتشير الدراسات المحلية والروايات الشفوية المتداولة إلى أن أول مقهى تأسس في كربلاء كان “مقهى كاظم البئر” في منطقة العباسية الشرقية سنة 1871م، وقد ارتبط ظهوره بالتوسع العمراني والنشاط التجاري الذي شهدته المدينة آنذاك، ما شجّع على انتشار المقاهي في مناطق متعددة من كربلاء خلال العقود اللاحقة. كما شهدت بعض هذه المقاهي أحداثاً ذات طابع اجتماعي وسياسي خلال العهد العثماني، الأمر الذي يجعلها جزءاً من التاريخ المحلي للمدينة. ومن الجوانب المهمة التي تناولتها المادة التوثيقية، الإشارة إلى بدايات دخول الشاي إلى المجتمع الكربلائي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما رافق ذلك من تحوّل في العادات الاجتماعية المرتبطة بالمقهى، حيث أصبح الشاي جزءاً من الهوية اليومية والثقافة الشعبية لسكان المدينة. كما تضمّنت المادة عرضاً لأسماء عدد من المقاهي القديمة التي شكّلت علامات بارزة في الذاكرة الكربلائية، إلى جانب توثيق بعض الشخصيات المرتبطة بإدارتها أو ارتيادها. ويؤكد مركز كربلاء للدراسات والبحوث أن دراسة الموروث الشعبي والمؤسسات الاجتماعية التقليدية تمثل محوراً مهماً في كتابة التاريخ المحلي، لما توفره من معطيات تسهم في فهم التحولات الثقافية والاجتماعية التي شهدتها المدينة، فضلاً عن دورها في حفظ الهوية الحضارية لكربلاء المقدسة وتقديمها للأجيال القادمة وفق منهجية علمية رصينة تعتمد التوثيق والتحليل التاريخي.