كربلاء المقدسة – تُعدّ مكتبة العتبة الحسينية المقدسة واحدة من أبرز الصروح العلمية والثقافية في مدينة كربلاء، إذ يعود تاريخ تأسيسها إلى ما قبل عام 1131هـ / 1718م، حين كانت تُعرف باسم “خزانة المرقد الحسيني الشريف”، واحتوت على نفائس المخطوطات والذخائر الثمينة المهداة من الملوك والأمراء والأعيان.
وتعرضت المكتبة خلال تاريخها إلى العديد من الاعتداءات والسرقات، كان أبرزها الهجوم الوهابي على كربلاء سنة 1216هـ / 1802م، حيث أُحرقت كتبها ومخطوطاتها ونُهبت مقتنياتها النفيسة، فيما استمرت بعد ذلك بوصفها خزينة للمخطوطات والنفائس حتى عام 1387هـ / 1968م.
وفي عام 1394هـ / 1975م جُمعت المصاحف والمخطوطات النادرة المتبقية، وأضيفت إليها آلاف الكتب في مختلف العلوم والآداب، ليُنشأ لها مبنى خاص قرب باب الزينبية في الجهة الغربية من الصحن الحسيني الشريف تحت اسم “المكتبة الحسينية المقدسة”، التي افتُتحت رسمياً سنة 1399هـ / 1979م بحضور شخصيات رسمية ودينية، وتولى الشيخ شاكر السماوي أمانتها آنذاك.
وضمت المكتبة زهاء 30 ألف كتاب مطبوع إلى جانب مخطوطات نادرة وثمينة جُمعت من المدارس الدينية ومكتبات العلماء، ومنها مكتبة السيد محمد باقر الحجة والطهراني، كما احتوت على نسخ نادرة من القرآن الكريم ومخطوطات فقهية وتفسيرية يعود بعضها إلى القرنين الخامس والسادس الهجريين، من بينها كتاب “تهذيب ابن أبي إسحاق” و”رسالة في القضاء والقدر” للسيد المرتضى و”تفسير الكشاف” للزمخشري.
وشهدت المكتبة انتكاسة كبيرة بعد أحداث الانتفاضة الشعبانية عام 1991م، إذ تعرضت للحرق والنهب من قبل أزلام النظام السابق، ما أدى إلى فقدان عدد كبير من المخطوطات والكتب النادرة، كما استُخدمت قاعاتها في تلك الفترة معتقلاً مؤقتاً لاحتجاز الزائرين.
وبعد عام 2003م باشرت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة بإعادة تأهيل المكتبة وتطويرها، بدعم واهتمام من المرجع الديني الأعلى علي الحسيني السيستاني، حيث أُعيد افتتاحها بحلتها الجديدة عام 2005م ضمن مهرجان ربيع الشهادة السنوي، تحت اسم “مكتبة ودار مخطوطات العتبة الحسينية المقدسة”، قبل أن يُعتمد لاحقاً اسم “مكتبة العتبة الحسينية المقدسة”.
وارتفع عدد عناوين الكتب في المكتبة إلى نحو 155 ألف عنوان، جُمعت عن طريق الشراء والإهداءات من المؤسسات العلمية ورجال الدين والمؤلفين، إضافة إلى احتوائها على مصاحف ثمينة وكتب مطبوعة ومخطوطة بمختلف الاختصاصات العلمية والإنسانية.
وتسعى المكتبة إلى نشر الثقافة الإسلامية الحسينية وتقديم الخدمات العلمية للباحثين وطلبة الجامعات، فيما تضم وحدات متعددة تشمل الإعارة والتزويد والاستنساخ، إلى جانب فروع لها في مدينة الحلة ومدينة إسن الألمانية. كما تتألف من عدة شعب تخصصية، منها شعبة المخطوطات، والتحقيق، ونظم المعلومات، والدراسات والبحوث، والنشاطات الثقافية.
وتوفر المكتبة مصادر بلغات متعددة، أبرزها العربية والفارسية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، فضلاً عن احتوائها على نحو 700 ألف عنوان إلكتروني ورسائل جامعية وأطاريح أكاديمية تخدم الباحثين وطلبة الدراسات العليا من داخل العراق وخارجه.
كما تعتمد المكتبة نظامي “LCC” الخاص بمكتبة الكونغرس، و”Koho” الإلكتروني لإدارة المكتبات، بما يتيح البحث الإلكتروني والوصول إلى محتوياتها عبر الإنترنت. وشاركت المكتبة في العديد من المعارض والأنشطة الثقافية، فضلاً عن مشاريع لفهرسة المكتبات الشخصية والتخطيط لافتتاح فروع جديدة مستقبلاً.
ويُذكر أن المكتبة تُعد شعبة تابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة، فيما يتولى إدارتها منذ عام 2021م الشيخ علي جبار الماجدي.