لم يكن التعليم النسوي غائباً عن أحياء كربلاء القديمة، بل كان حاضراً بقوة في "كتاتيب الملايات". فقد لعبت نساء كربلائيات متعلمات أدواراً ريادية؛ حيث كانت الملة "حبابة" و"منيرة" و"ربابة" يدِرن مدارس منزلية في أحياء (باب السلالمة) و(العباسية) و(باب الطاق). ركزت هذه الكتاتيب على تعليم القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية والزيارات الدينية، مما حافظ على الهوية الثقافية للمرأة الكربلائية أمام محاولات "التتريك".
رغم أن العهد العثماني انتهى دون افتتاح مدارس رسمية كبرى للبنات في كربلاء (بسبب نقص الكوادر والمواقف الاجتماعية المحافظة)، إلا أن الأرضية التي مهدتها مطالبات المصلحين أمثال السيد هبة الدين الشهرستاني آتت أكلها مع بدايات عام 1918م.
وتوثق السجلات التاريخية أن أول مدرسة ابتدائية رسمية للبنات في كربلاء أُسست في تلك الفترة الانتقالية لتكون امتداداً لنضال تربوي بدأ في العهد العثماني:
• اسم المدرسة: مدرسة كربلاء الابتدائية للبنات (تُعرف أحياناً بـ "مدرسة الإناث الأولى").
• الموقع: اتخذت من إحدى الدور الكبيرة في "صوب العباسية" مقراً لها.
• الكادر الإداري والتدريسي: ترأست إدارتها السيدة (أمة الله بنت الحاج رجب)، وهي شخصية تربوية عُرفت بذكائها وحزمها، وعاونتها المعلمة (نصرة بنت عبد الكريم).
• المنهج: شمل مواد حديثة لأول مرة إلى جانب التربية الدينية، مثل الحساب، الخياطة، والتطريز، بمحاولة لمزج المهارات الحياتية بالتعليم الأكاديمي.
إن أهم ما يميز التعليم النسوي في تلك الفترة هو "المقاومة الثقافية". فالكتاتيب لم تكن مجرد أماكن للتعلم، بل كانت مراكز اجتماعية حافظت على الترابط الأسري الكربلائي. وبالرغم من أن السلطات العثمانية أهملت تمويل هذه المؤسسات، إلا أن "التمويل الذاتي" من الأهالي (عبر نظام الخميسية والهدايا) جعل من التعليم النسوي فعلاً شعبياً مستقلاً عن إرادة السلطة، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لتقبل المجتمع للمدارس الحديثة التي زاد الإقبال عليها بشكل لافت بعد عام 1920م.
المصادر
• موسوعة كربلاء الحضارية، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، المحور التاريخي - العهد العثماني، الوثائق العثمانية.
• تاريخ التعليم في كربلاء، سلمان هادي آل طعمة.