في إطار جهود توثيق التراث العلمي لمدينة كربلاء، يُسلط مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة، الضوء على "المدرسة الحسينية الأهلية" (التي عُرفت تاريخياً بـ "مكتب حسيني")، بوصفها الانعطافة الأولى للمدينة من التعليم التقليدي (الكتاتيب) إلى النظم المدرسية الحديثة.
تأسست المدرسة في عام 1907م (1327هـ) بجهود نخبة من المثقفين والتجار في كربلاء، الذين استشعروا ضرورة إدخال العلوم الحديثة واللغات الأجنبية لمواكبة التطورات العالمية آنذاك. وقد صدرت الإرادة السلطانية العثمانية (من السلطان محمد رشاد) بالموافقة الرسمية على تأسيسها في عام 1912م.
شغلت المدرسة موقعاً حيوياً في محلة العباسية الغربية، وتحديداً في المنطقة الواقعة خلف "حمام المالح" وبجوار مسجد "السيد جواد الصافي". تميز بناؤها بوجود 6 صفوف دراسية، وكانت تستقبل طلاباً من مختلف القوميات والجنسيات المقيمة في المدينة.
تولى إدارة المدرسة في بداياتها السيد مرزا هادي الشهرستاني. وضمت نخبة من المعلمين الأوائل (كان عددهم 5 معلمين في عام 1912م)، ومن أبرزهم: عبد المهدي الحافظ: الذي كان عضواً في مجلس المبعوثان (البرلمان العثماني)، وتولى تدريس اللغة.
لم تكن مدرسة دينية صرفه، بل اعتمدت نظاماً تعليمياً حديثاً شمل تدريس:
• العلوم الأساسية: الحساب والجغرافيا والخط.
• اللغات: اللغة التركية (اللغة الرسمية حينها) والقرآن الكريم والدين.
• المراحل: ضمت المرحلتين الابتدائية و"الرشدية" (التي تعادل المتوسطة حالياً).
تؤكد الوثائق التاريخية أن المدرسة حظيت باهتمام الرحالة والمستشرقين، حيث زارها الرحالة الإنكليزي السير رونالد ستورز في مايو عام 1917م، مما يعكس مكانتها كأهم مؤسسة تربوية في المدينة في ذلك العصر.
استمرت المدرسة ككيان أهلي رائد لسنوات، ممهدةً الطريق لظهور مدارس رسمية لاحقاً مثل "مدرسة الحسين الابتدائية" (تأسست 1918م) التي حملت لواء التعليم الرسمي المستمر حتى يومنا هذا.
المصادر/
• موسوعة كربلاء الحضارية (المحور التاريخي) الجزء الخامس، (تاريخ التعليم والكتاتيب) المدرسة الحسينية بالتحليل والوثائق.
• مذكرات السيد محمد حسن الأدييب: يعتبر الأدييب (أحد مؤسسي المدرسة) المرجع الأول والأساسي لهذه المدرسة. في مذكراته المخطوطة والمطبوعة في عدة دراسات، وثّق تفاصيل التأسيس، وأسماء المعلمين، والدروس التي كانت تدرس في "مكتب حسيني".