ضمن استراتيجيته الهادفة إلى صيانة الهوية التاريخية لمدينة كربلاء المقدسة وتصحيح المسارات المعرفية المرتبطة بمعالمها، يواصل مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة تسليط الضوء على المقامات والمزارات التي تشكل جزءاً من النظام الإداري والجغرافي للمدينة. وفي مقدمة هذه المعالم، يبرز مزار "عون بن عبد الله"، الذي خضع لمجهر البحث والاستقصاء لفك الالتباس التاريخي حول هويته وتتبع مراحل تطوره العمراني.
من خلال تتبع المصادر التاريخية الموثقة لدى المركز، يكشف التقرير عن حقيقة المقام يعود الى عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي، من أحفاد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
• المصدر والدليل: يؤكد المؤرخ الشيخ محمد حرز الدين في كتابه "مراقد المعارف" (الجزء الثاني، ص 119) أن هذا القبر يعود لـ "عون المدني" الذي كانت له ضيعة في هذا الموضع. ويدعم هذا التوجه الباحث سلمان هادي آل طعمة في كتابه "تراث كربلاء"، مبيناً أن شهداء الطف من بني هاشم دُفنوا في الحفرة الجماعية تحت قبة الإمام الحسين (ع)، مما يجعل وجود قبر منفرد لأحدهم على بُعد 11 كم أمراً غير ثابت تاريخياً.
رصدت وحدات التوثيق في المركز مراحل تطور المقام كجزء من التوسع الإداري لمدينة كربلاء:
1. المرحلة القديمة: كان المزار عبارة عن بناء متواضع من الآجر والطين، تحيط به بساتين "منطقة عون" الحالية، وكان يمثل نقطة الاستراحة الأخيرة للقوافل قبل دخول مركز المدينة.
2. التطوير الإداري والعمراني: مع تحول المنطقة إلى مركز ثقل سكاني وإداري شمال كربلاء، شهد المقام قفزة نوعية في العقدين الأخيرين. حيث تحول من غرف ضيقة إلى صحن واسع يمتد على مساحة 10,000 متر مربع.
3. المشهد الحالي: يبرز المقام اليوم بقبته المضلعة المكسوة بالكاشي الكربلائي المعرق، يتوسطه ضريح مصنوع من خشب الصاج الفاخر المزجج، وتحيط به أروقة تستوعب آلاف الزائرين، ومزود بمجمع خدمي متكامل (مضيف ومرافق صحية) يديره ديوان المزارات الشيعية بالتنسيق مع الجهات الخدمية في المحافظة.
لم يعد المقام مجرد مزار ديني، بل أصبح وفق القراءات الإدارية المعاصرة "بوابة كربلاء الشمالية". يساهم الموقع الاستراتيجي للمزار في تنظيم حركة الزيارة المليونية، حيث يُعد المحطة المركزية الأولى لاستقبال الزائرين القادمين من بغداد وبابل، وتجرى فيه سنوياً أكبر العمليات اللوجستية والأمنية تحت إشراف مباشر من إدارة المدينة والعتبات المقدسة.
إن جهود مركز كربلاء للدراسات والبحوث في توثيق مزار عون تأتي كجزء من سلسلة الدراسات التي تهدف إلى تقديم قراءة علمية دقيقة لمعالم كربلاء، تزاوج بين عمق التاريخ ومتطلبات التوسع العمراني الحديث، لتبقى الحقيقة التاريخية هي المرجع الأول والأساس.