في إطار الجهود العلمية الحثيثة والمستمرة التي يبذلها مركز كربلاء للدراسات والبحوث (التابع للعتبة الحسينية المقدسة)، يبرز الدور المحوري للمركز كحارس للذاكرة الحضرية ومنارة للإشعاع الفكري في مدينة سيد الشهداء (عليه السلام). فمنذ انطلاق نشاطه، دأب المركز على رفد المكتبة الأكاديمية بنتاج بحثي رصين وتوثيق تاريخي شامل لمراحل تطور المدينة، لا سيما عبر "موسوعة كربلاء الحضارية". وقد نجح المركز في الجمع بين المنهجية العلمية وحماية الهوية التراثية، مسلطاً الضوء على الروابط الوثيقة بين الفضاءات الدينية والنشاطات الاقتصادية، مما جعله مرجعاً أساسياً في فهم التحولات التي رسمت ملامح كربلاء الحديثة.
وعلى ضوء الدراسات التوثيقية للمركز، يُشكل شارع "علي الأكبر" نموذجاً حياً لاقتصاد المدن الدينية؛ حيث يتميز بنشاطه التجاري المتنوع الذي لا يقتصر على تلبية احتياجات السكان المحليين فحسب، بل يعد وجهة رئيسية للزائرين. وتتنوع المهن فيه بين بيع الملابس، الساعات، الأحذية، والسبح والترب، وصولاً إلى المطاعم ومحال التصوير، مما خلق دورة اقتصادية متكاملة تجمع بين قطاع التجزئة والخدمات المرتبطة بطبيعة المدينة بوصفها مركزاً عالمياً للزيارة.
وفي سياق نفسه برز النشاط الحرفي الذي رصده الباحثون، "سوق الصفافير" كأحد أهم المعالم القريبة من نهاية الشارع. هذا السوق الذي اشتهر بصناعة الأواني النحاسية مثل "القدور والمصاخن والطشوت"، يمثل عمق الحرف التقليدية العراقية. ورغم المتغيرات الاقتصادية، ما يزال هذا السوق يقاوم للحفاظ على هويته الحرفية التي ارتبطت تاريخياً بالأسواق القديمة والمنظومة الخدمية (من سبل ماء ومكتبات) المحيطة بالعتبات المقدسة.
لقد رصدت الدراسات الأكاديمية التغييرات العمرانية الكبيرة التي تعرضت لها منطقة شارع علي الأكبر ضمن مشاريع توسعة منطقة ما بين الحرمين، والتي أدت إلى إزالة أجزاء من النسيج القديم. ومع ذلك، يؤكد خبراء المركز أن الشارع لا يزال حاضراً بقوة في الذاكرة الاجتماعية لسكان كربلاء، كفضاء كان يجمع بين السكن والعمل والتجارة في إطار مكاني واحد، وهو ما يجعل من دراسته وتوثيقه ضرورة لفهم التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمدينة.
إن هذا الرصد العلمي لمركز كربلاء للدراسات والبحوث لا يندرج ضمن التوثيق المكاني فحسب، بل يقدم رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة تساعد في الحفاظ على هوية كربلاء كمدينة تجمع بين القداسة الدينية والريادة التجارية.