وتشير المعطيات إلى أن المخيلة الشائعة التي تحصر تاريخ المدينة بوقوع "واقعة الطف" عام 61هـ، تغفل إرثاً مادياً هائلاً ينتشر في جميع جهات المدينة. فمن الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، تبرز مواقع أثرية تجسد بصمات السومريين، الأكديين، البابليين، والآشوريين، وصولاً إلى الحقبتين المسيحية والساسانية.
ويعد موقع "كهوف الطار" شاهداً حياً على استيطان الإنسان لهذه الأرض منذ العصور الحجرية، ليتحول هذا المسار الحضاري لاحقاً نحو "الحضارة الإسلامية" التي افتتحت مشوارها في هذه المدينة بأسمى قيم التضحية والأخلاق التي جسدتها نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، مما منح المدينة هوية عالمية طغت على ما سواها من أحداث.
وفي سياق الربط بين التراث القديم والحدث الإسلامي، برز موقع "العقير" (ضمن قضاء الحسينية - مقاطعة الوند) كنموذج لهذا التراكم. الموقع الذي تعود ملكيته لوزارة المالية والمثبت في جريدة الوقائع العراقية منذ عام 1942، يمثل امتداداً لـ "تل العقير" التاريخي. وتكتسب هذه المنطقة أهمية استثنائية لكونها ترتبط بذكرى وصول الإمام الحسين (عليه السلام) وسؤاله عن المنطقة عند نزوله بها، مما يجعل من "العقير" نقطة التقاء فريدة بين جغرافيا الحضارات القديمة والذاكرة الحسينية.
إن هذا التنوع الحضاري يجعل من كربلاء متحفاً مفتوحاً يحكي قصة تطور الإنسانية؛ فهي المدينة التي احتضنت الكهوف الأولى، ومعابد البابليين، وأديرة المسيحيين، قبل أن تصبح قبلة الأحرار ومركز الإشعاع الروحي في العالم الإسلامي.
المصدر/ مجلة السبط العلمية، المجلد الثاني عشر، العدد الأول، كانون الثاني 2026م.