وُلد الشيخ "أبو العباس جمال الدین احمد بن شمس الدین محمد بن فهد الحلي" في مدينة الحلة عام 1357م، وتلقى علومه على يد كبار العلماء، قبل أن ينتقل إلى كربلاء المقدسة، حيث قاد نهضة علمية لافتة تمثلت في التدريس والإفتاء والمناظرة، وأسهم في تأسيس مدرسة شرعية استقطبت مئات الطلبة من مختلف الأقاليم الإسلامية، من إيران والهند إلى آسيا الوسطى، لتتحول كربلاء إلى مركز إشعاع علمي يتردد صداه في العالم الإسلامي.
وأوضحت موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، أن الشيخ ابن فهد (ره)، لم يكن مجرد فقيه تقليدي، بل عُرف بسعة معارفه التي شملت العلوم العقلية والنقلية، وبتوجهه الروحي الذي مزج بين ظاهر الشريعة وعمق التجربة العرفانية، وهو ما انعكس في مؤلفاته الكثيرة، مثل “المهذب البارع في شرح النافع” و“مصباح المهدي” و“كنانة المحتاج”، وغيرها من المصنفات التي حملت بين طياتها أبعاداً علمية وروحية متقدمة.
ومن بين ما تناقلته المصادر والروايات عن الشيخ الحلي، تبرز حادثة مناظرته الشهيرة مع أحد علماء اليهود، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز القصص المتداولة في التراث الكربلائي، فبينما كان الشيخ يعمل في بستانه، حضر إليه رجل دين يهودي برفقة عدد من أتباعه، مستفسراً عن الحديث النبوي الشريف والقائل بإن "علماء المسلمين كأنبياء بني إسرائيل"، مطالباً بدليل عملي على ذلك، وفي لحظة اختبار، ألقى الشيخ مسحاته على الأرض، فتحولت إلى ثعبان عظيم، في مشهد أثار دهشة الحاضرين.
ولم تتوقف المفاجأة عند هذا الحد، إذ بادر الشيخ (ره) إلى الإمساك بالثعبان بيده ليعود أداةً كما كان، في إشارة إلى قدرته على تجاوز الخوف، وهو ما اعتُبر دليلاً على ما نُسب إليه من كرامات، وموقفاً ترك أثراً بالغاً في نفس محاوره ومن حضر الواقعة.
كما اشتهر الشيخ ابن فهد الحلي بكرامات متعددة تناقلها الناس، من شفاء المرضى بإذن الله إلى إغاثة المحتاجين، فضلاً عن روايات تشير إلى فتح باب القبلة في مرقد الإمام الحسين تلقائياً بمجرد رفع يديه بالدعاء عند وصوله الى المرقد الشريف لأداء صلاة الفجر، كما عُرف بزهدٍ واضح، حتى إنه كان يكدّ في بستانه الخاص لتأمين معيشته، في صورة تجمع بين العلم والعمل.
وإلى جانب مكانته العلمية، فقد تصدى هذا العالم الجليل لدورٍ اجتماعي مهم، إذ أسهم في حل النزاعات ومواجهة الانحرافات، وكان نموذجاً في الأخلاق والتواضع، مما جعله يحظى باحترام واسع بين مختلف فئات المجتمع.
توفي الشيخ أحمد بن فهد الحلي عام 1437م، ودُفن في كربلاء داخل بستانه المعروف اليوم ببستان ابن فهد في محلة العباسية الغربية، حيث شُيّد لاحقاً مسجد ومزار كبير يضم قبته المميزة وصندوقه الخشبي المزخرف، ليبقى شاهداً على مكانته العلمية والروحية.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشَامِلَةُ، المحور التاريخي، قسم التاريخ الحديث والمعاصر، 2020، ج2، ص13-18