تحتل ثورة العشرين عام 1920 مكانة بارزة في تاريخ العراق الحديث، بوصفها واحدة من أعظم الحركات الوطنية التي واجهت الاحتلال البريطاني، وكان لمدينة كربلاء المقدسة دور محوري في إشعال شرارتها وقيادة مساراتها.
وقد وثّقت موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث تفاصيل عديدة عن تلك المرحلة، التي امتزج فيها الوعي السياسي بالروح الدينية، خصوصاً خلال شهر رمضان المبارك، فقبل اندلاع الثورة، حاولت سلطات الاحتلال البريطاني إيهام العراقيين بأنها تسعى لمعرفة رأيهم في شكل الحكم الذي يرغبون به، فأرسلت عدداً من ضباطها إلى المدن العراقية، ومن بينها كربلاء. حيث طرح أحد الضباط البريطانيين أسئلة على الأهالي حول مستقبل الحكم في البلاد.
وتعقيباً على هذه المحاولة، فقد جاء الرد الكربلائي حاسماً عبر مضبطة رسمية رفعها وجهاء المدينة إلى سلطات الاحتلال، أكدوا فيها رغبتهم بالاستقلال وإقامة حكم وطني عربي إسلامي، ويكون مقيداً بمجلس يمثل أبناء العراق، بما ينسجم مع روح الأمة وتقاليدها.
لكن هذا الموقف لم ينسجم مع خطط الاحتلال، فقررت السلطات البريطانية إرسال قوة عسكرية إلى كربلاء، قامت بتطويق المدينة ووزعت مناشير تطالب بتسليم عدد من قادة الحركة الوطنية، وبعد فترة قصيرة، تمكنت القوات البريطانية من اعتقال عدد منهم ونقلهم إلى سجن الحلة.
لم تمر تلك الإجراءات دون رد فعل، إذ تدخلت المرجعية الدينية في كربلاء مطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، غير أن السلطات البريطانية رفضت الطلب وحمّلتهم مسؤولية التوتر الأمني.
وبعد جهود بذلها شيوخ القبائل ووجهاء المدن العراقية، أُفرج عن المعتقلين، لتتزامن تلك التطورات مع زيارة النصف من شعبان، التي شهدت توافد أعداد كبيرة من زعماء القبائل والوجهاء إلى كربلاء، حيث تحولت هذه المناسبة إلى فرصة لعقد اجتماع واسع في الصحن الحسيني المقدس، حضره ممثلون عن مدن وقبائل عراقية عديدة.
وخلال هذه الاجتماعات جرى التداول في مستقبل البلاد وسبل مواجهة الاحتلال، قبل أن يتوجه المجتمعون إلى المرجعية الدينية لعرض ما توصلوا إليه وطلب دعمها في إعلان الثورة، وبعد نقاشات مطولة، جرى تأييد هذا التوجه، مما مهّد الطريق أمام اتخاذ قرار إطلاق الثورة في حال رفض الاحتلال مطالب الاستقلال.
مع تصاعد الحركة الوطنية في بغداد ومدن العراق الأخرى، بدأت الندوات والمظاهرات المطالبة بالاستقلال، وقد واجهت القوات البريطانية هذه التحركات بالقوة، ما أدى إلى وقوع إصابات بين المتظاهرين وزاد من حدة التوتر.
وفي خضم هذه الأحداث، شهد شهر رمضان المبارك محطة مهمة في مسار الحركة الوطنية، إذ أصدر المرجع الديني الأعلى في كربلاء آنذاك، الشيخ محمد تقي الحائري، بياناً دعا فيه العراقيين إلى تنظيم مظاهرات سلمية وتقديم مضابط تطالب بحقوقهم المشروعة واستقلال بلادهم.
استجابت المدن العراقية لهذا النداء، وكانت كربلاء من أوائل المدن التي نظمت مضبطتها الرسمية في السادس عشر من رمضان سنة 1338هـ. وقد حملت هذه الوثيقة توقيع عشرات الشخصيات البارزة من علماء المدينة ووجهائها وساداتها، الذين أكدوا فيها رفضهم لأي شكل من أشكال الهيمنة الأجنبية، ومطالبتهم بالاستقلال الكامل للعراق.
ووفقاً للموسوعة، فقد شكّلت المضبطة التي وقّعها خمسة وستون من وجهاء كربلاء تعبيراً واضحاً عن إرادة المدينة، إذ فوض الموقعون مجموعة من الشخصيات لتمثيلهم أمام سلطات الاحتلال ونقل مطالبهم الوطنية، وقد ذُيّلت الوثيقة بتأييد المرجعية الدينية التي وصفتها بأنها "خطوة صحيحة ونافعة ومفيدة".
ومن هنا تحولت كربلاء إلى أحد المراكز الرئيسة التي مهّدت لانطلاق ثورة العشرين، حيث امتزجت الروح الدينية التي تميز المدينة بتاريخها النضالي، لتصبح ساحاتها ومساجدها ومجالسها منابر لإعلان إرادة الاستقلال.
المصدر: زميزم، سعيد رشيد، كربلاء تاريخاً وتراثاً، 2018، ص256-260.