وبحسب ما وثقته موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، فإن هذا الحضور العلمي تجسد في مؤسسات تعليمية ومراكز علمية أسهمت في احتضان الطلبة الأجانب وتوفير بيئة مناسبة للدراسة الدينية والبحث العلمي.
ومن أبرز هذه المؤسسات ما عُرف بـ "المدرسة الهندية الصغرى"، التي أوقفتها امرأة هندية مسلمة ثرية تُعرف باسم "تاج محل" عام 1298هـ الموافق لـ 1880م. وقد خُصصت في البداية على شكل خان لإيواء العلماء والطلبة الأجانب، ولا سيما من الهند وأفغانستان، الذين كانوا يتوافدون إلى كربلاء للعمل أو الدراسة أو لزيارة المراقد المقدسة.
ومع تزايد الحاجة إلى المؤسسات التعليمية في المدينة، تحوّل هذا المبنى بعد نحو ثلاث سنوات من تأسيسه إلى مدرسة دينية، لتصبح إحدى الحلقات المهمة في شبكة المدارس العلمية في كربلاء، حيث تقع هذه المدرسة في الزقاق المقابل لباب قبلة الإمام الحسين (عليه السلام).
ولا ينبغي الخلط بين هذه المدرسة وبين "المدرسة الهندية" الواقعة في الزقاق المقابل لباب السلطانية، والتي أوقفتها امرأة هندية أخرى تُعرف باسم "يتاج دار بهو" وقد خصصت هذه المدرسة أيضاً لسكن طلبة العلم من الجنسيات الأجنبية، وتضم ست عشرة غرفة على مساحة تقارب (300) متر مربع، فضلاً عن مكتبة علمية عُرفت باسم "المكتبة الجعفرية".
ووفقاً للموسوعة، فقد شهدت هذه المدرسة نشاطاً فكرياً ملحوظاً، إذ صدرت عنها أعمال علمية من بينها مجلة بعنوان "أجوبة المسائل الدينية"، مما يعكس دورها في نشر المعرفة الدينية وتعزيز التواصل العلمي بين كربلاء ومناطق أخرى من العالم الإسلامي.
كما لم يقتصر الحضور العلمي الهندي على هذه المدارس فحسب، بل امتد إلى مؤسسات تعليمية أخرى في كربلاء، ومنها "المدرسة الحسينية" التي استقطبت طلبة من بلدان متعددة، ففي عام 1959 استقبلت المدرسة (33) طالباً هندياً، و(79) طالباً من باكستان، بالإضافة إلى (3) طلاب أفغان وطالب واحد من زنجبار.
وفي عام 1963 استمرت المدرسة في استقبال طلبة من الهند، إذ قبلت (10) طلاب هنود، إلى جانب طلبة من باكستان وأفغانستان والعراق خلال الفترة الممتدة من عام 1960 وحتى عام 1970، في مشهد يعكس التنوع الثقافي والعلمي الذي احتضنته كربلاء عبر تاريخها.
يذكر أن هذا التعدد في جنسيات الطلبة قد كشف عن المكانة العلمية التي تمتعت بها المدينة، إذ لم تكن كربلاء محطة للزيارة الدينية فحسب، بل مركزاً تعليمياً استقطب العقول والطاقات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وعلى عمق العلاقات العلمية والثقافية التي ربطت المدينة بشبه القارة الهندية عبر عقود طويلة.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشَامِلَةُ، المحور التاريخي، قسم التاريخ الحديث والمعاصر، 2020، ج5.