تكشف موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، عن صورة متكاملة لتطور التجارة في كربلاء المقدسة، بوصفها مدينة لم تتكئ على بعدها الديني فحسب، بل أسست حضورها الاقتصادي على الزراعة المزدهرة والموقع الجغرافي الحيوي.
وتشير الموسوعة إلى أن الزراعة في كربلاء لم تكن نشاطاً موسمياً محدوداً، بل شكّلت ركيزة اقتصادية قادرة على إحداث أثر مباشر في ميزانية المحافظة متى ما توفرت لها مستلزمات الدعم من معدات وتقنيات حديثة، فخصوبة التربة، وغزارة المياه، وكثرة العيون المنتشرة في أرجاء المنطقة، أسهمت في تنوع الإنتاج الزراعي، ما أوجد فائضاً استدعى تنظيم عمليات التبادل والبيع.
ومنذ مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، ومع استقرار الحياة الحضرية وتعاظم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، برزت الحاجة إلى إنشاء أسواق لتصريف المنتجات الزراعية، ولاسيما الحبوب والأصواف، فشُيّدت المخازن لحفظها، وافتُتحت المقاهي، وأُنشئت المساجد، لتتحول الأسواق إلى نواة عمرانية نشطت حولها القرى والتجمعات السكانية، خصوصاً في المناطق الفاصلة بين الريف والبادية، مما شجّع القبائل على الاستقرار التدريجي وأسهم في ازدهار الحركة التجارية.
كما استفادت كربلاء من موقعها الجغرافي على حافة الصحراء الغربية وعلى ضفاف نهر الفرات، لتؤدي دور حلقة وصل بين الريف والبادية وطرق القوافل، وقد كان في مركز المدينة سوقان رئيسان، أولهما "سوق العرب" الذي يلبي احتياجات العرب والبدو قبل رحيلهم إلى البادية، والثاني "سوق العجم" الذي يخدم الزائرين القادمين من إيران والهند وتركمانستان وأفغانستان وغيرها، فضلاً عن أسواق موسمية ارتبطت بمواسم الزيارة والحركة الدينية.
يذكر أنه وبالتزامن مع اتساع نشاط التبادل التجاري، أُعيد إحياء طرق تجارية قديمة وتأمينها ضد اللصوص وقطاع الطرق، وشُيّدت الخانات لاستقبال التجار وخزن بضائعهم، كما تطلبت حركة القوافل المستمرة توفير أدلاء وحراس ودواب، إلى جانب خدمات الماء والطعام، ما أدى إلى نشوء قرى ومدن صغيرة قرب محطات الطرق، لتقديم الدعم اللوجستي للقوافل والمسافرين.
وتؤكد المعطيات أن الخصوبة الزراعية وغزارة المياه وكثرة العيون المنتشرة في أرجاء كربلاء، إلى جانب قدمها التاريخي الذي تدل عليه أسماؤها القديمة مثل عمورا وماريا وصفورا، كلها عوامل أسهمت في ترسيخ مكانتها كمركز إنتاج وتبادل تجاري، كما تبرز أهمية الاستثمار في القطاع الزراعي بوصفه رافعة اقتصادية قادرة على تعزيز ميزانية المحافظة ومكانتها بين المدن العراقية.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشَامِلَةُ، المحور الإجتماعي، 2020، ج1، ص53-54.