وبحسب ما وثقته موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، فقد كانت المقاهي تحظى بشهرة واسعة، إذ يرتادها أبناء مختلف الشرائح الاجتماعية لأغراض متعددة، اجتماعية وثقافية وترفيهية، حتى غدت أشبه ببرلمان شعبي في بعض المحلات، تُناقش فيها شؤون الأهالي، وتُحلّ كثير من المشكلات العائلية والمادية، فضلاً عن تداول القضايا العامة.
أما القهوجي في كربلاء، فلم يكن مجرد مُعدّ للشاي والقهوة، بل كان جزءاً من نسيج الحياة اليومية، يقدّم الشاي والقهوة ومشروبات أخرى كالحامض والدارسين والحليب الحار، كما كانت تتوفر في المقاهي، خدمة الأركيلة، بينما تتوزع في المكان الجرار والأقداح والطاسات الخزفية، إلى جانب "حبّ" الماء في إحدى الزوايا، فيما كان الشاي يُحضّر على الفحم في موضع خاص يُعرف بـ "الأوجاق"، ما يمنحه نكهته المميزة التي ارتبطت بذاكرة المكان.
وأوضحت الموسوعة أن تصميم المقهى الكربلائي تقليدياً يقوم على فناء واسع تحيط به جدران تتخللها شبابيك، مع تخوت خشبية مرتفعة يجلس عليها رواد المحلة، يتبادلون الأحاديث والآراء في شؤونهم الخاصة والعامة. ولكل محلة تقريباً مقهاها الخاص الذي يجتمع فيه أهلها، وغالباً ما تبقى المقاهي مفتوحة حتى منتصف الليل.
وفي شهر رمضان المبارك، تزداد المقاهي في كربلاء المقدسة حيويةً وتألقاً؛ إذ تتحول إلى فضاءات عامرة بالجلسات الخطابية والأمسيات الشعرية وقراءات القصص بعد الإفطار وحتى ساعات متأخرة من الليل، حيث يجد أبناء المحلات في هذه المجالس فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية، واستعادة التقاليد المتوارثة التي تمزج بين العبادة واللقاء الثقافي.
يذكر أن القهوجي الكربلائي كان شاهداً على تحولات المجتمع، وحارساً لذاكرة المجالس الرمضانية، وصانعاً لدفءٍ يتجاوز فنجان الشاي، إلى معنى الاجتماع والتآلف في مدينةٍ تحتفظ بخصوصيتها الدينية والاجتماعية عبر الأزمنة.
المصدر: موسوعة كربلاء الحضارية، المحور الاجتماعي، ج1، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، ، 2020، ص203-204.