ولتثبيت نظام إدارتها، أصدرت سلطات الاحتلال عام 1918 ما عُرف بـ "قانون دعاوى العشائر المدنية والجزائية"، الذي خصّ العشائر بنظام قانوني موازٍ يختلف عن قوانين سكان المدن، وبموجب هذا القانون، أُنيط حسم النزاعات العشائرية بوكيل الحاكم السياسي ومجلس عشائري يضم كبار الشيوخ، كما جرى توزيع الإشراف الإداري على عشائر كربلاء بين مناطق مجاورة، في خطوة هدفت إلى إحكام السيطرة وتقسيم المجتمع وفق امتداداته القبلية، الأمر الذي أسهم في ضبط الأوضاع أمنياً، لكنه عمّق في الوقت نفسه الفصل الاجتماعي بين مكوّناته.
ووفقاً للموسوعة، فقد اعتمدت الإدارة البريطانية سياسات اقتصادية وإدارية وُصفت بالصارمة، من بينها فرض ضرائب متزايدة على الحاصلات الزراعية، وإلزام الفلاحين بتسليم إنتاجهم، فضلاً عن تطبيق نظام السخرة بإجبار شيوخ العشائر على تزويد القوات البريطانية بعدد يومي من العمال للعمل في مشاريع حكومية، كما تشير المصادر إلى أن ظروف العمل اتسمت بالقسوة وافتقرت إلى أبسط المقومات الصحية، مع تدني الأجور وطول ساعات العمل، ما أفرز أوضاعاً معيشية صعبة في أوساط الفلاحين.
في موازاة ذلك، سعت سلطات الاحتلال إلى استمالة بعض الشيوخ عبر إشراكهم في مجالس عشائرية، إلا أن النفوذ الديني في كربلاء كان عاملاً حاسماً في توجيه المجتمع، الأمر الذي حدّ من فاعلية بعض الإجراءات الإدارية مقارنة بمناطق أخرى، ومع مرور الوقت، ساهمت هذه السياسات في تكريس انقسام طبقي واضح بين ملاك الأراضي ورجال الدين من جهة، وطبقات الفلاحين والعمال من جهة أخرى، مما ترك أثراً عميقاً في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمدينة.
وتخلص موسوعة كربلاء الحضارية إلى أن السياسة البريطانية في التعامل مع عشائر كربلاء لم تكن مجرد تدابير إدارية عابرة، بل مشروعاً منظماً لإعادة تشكيل المجتمع بما يخدم مصالح الاحتلال، وهو ما انعكس في ترسيخ أعراف قبلية راسخة، وتعميق الفوارق الاجتماعية، وإضعاف البنية الاقتصادية للفئات الفقيرة، وهي آثار امتدت تداعياتها لسنوات طويلة في تاريخ المجتمع الكربلائي.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشاملة، المحور التاريخي، التاريخ الحديث والمعاصر، ص12-13.