ينتمي السيد علي الطباطبائي إلى أسرة علمية عريقة، ويتصل نسبه الشريف بالسيد "إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السلام)".
وُلد هذا العلّامة الجليل في الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1161هـ بمدينة الكاظميّة المقدسة، غير أن كربلاء كانت ميدان نشأته وتكوينه العلمي، حيث ترعرع في بيئة علمية ذات مكانة رفيعة، ونهل من كبار أعلام عصره.
ومنذ تصدّره للتدريس والفتيا، عُرف الطباطبائي بحرصه الشديد على غرس الأمانة العلمية في نفوس طلابه، مقروناً بشعور عميق بالمسؤولية الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد جمع في شخصيته بين الفقيه المتبحّر والمؤرخ المطلع والعالم بالأخبار، مما جعله من أبرز علماء عصره حضوراً وتأثيراً.
لم يكن "صاحب الرياض” عالماً منقطعاً في محراب التأليف فحسب، بل جسّد نموذج العالم المسؤول اجتماعياً، ففي بداياته كان يكتب الأكفان وهو منكبّ على تصنيف كتابه الشهير “الرياض في الفقه”، قبل أن تنفتح عليه أبواب الدعم من الممالك الشيعية في الهند، لتتحول الموارد المالية عنده إلى وسيلة لخدمة كربلاء وأهلها، فاشترى دور الكربلائيين من أربابها وأوقفها عليهم جيلاً بعد جيل، وأسهم في بناء سور كربلاء، كما استقدم عشيرة من "البلوج" وأسكنهم المدينة لما عُرف عنهم من قوة وشدة، في خطوة تعكس وعياً أمنياً واجتماعياً مبكراً.
وعلى الصعيد العلمي، تتلمذ وروى عن كبار الأعلام، منهم السيد "عبد الباقي الإصفهاني"، ووالده المير "محمد حسين"، وعن خاله وأستاذه الآغا "محمد باقر البهبهاني"، كما روى عن "صاحب الحدائق".
أما آثاره العلمية، فقد عدّ صاحب "أعيان الشيعة" له تسعة عشر مؤلفاً، من أبرزها "الرياض في الفقه"، و"رسالة حجية الشهرة"، و"شرح صلاة المفاتيح"، و"رسالة في أصول الدين"، بالإضافة إلى حواشٍ وتعليقات وأجوبة مسائل فقهية شكّلت مرجعاً هاماً لطلبة العلم.
في سنة 1231هـ، طُويت صفحة من صفحات العلم في كربلاء برحيل السيد علي الطباطبائي، حتى قيل في تأريخ وفاته “بموت علي مات علم محمد"، في تعبير بليغ عن حجم الخسارة العلمية، ودُفن في الرواق الشريف قرب مقابر الشهداء، إلى جوار أستاذه "الآغا البهبهاني" في صندوق واحد، ليبقى مرقده محطة زيارة وتقدير.
لقد شكّل السيد علي الطباطبائي نموذجاً فريداً لعالم الحوزة الذي جمع بين الفقه، والتأليف، وخدمة المجتمع، وحماية المدينة، وبقي اسمه راسخاً في ذاكرة كربلاء العلمية والحضارية، كما وثقته موسوعة كربلاء الحضارية، شاهداً على دور العلماء في صناعة التاريخ لا تدوينه فحسب.
المصدر: كامل سلمان الجبوري، وثائق الحوزة العلمية في كربلاء، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، ج1، 2025، ص300.