ضمن سلسلتها التوثيقية الخاصة بالشخصيات التي نهضت للأخذ بثأر الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه الأبرار، تستحضر موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث سيرة أحد أعمدة المواجهة بعد فاجعة الطف، وهو المجاهد إبراهيم بن مالك الأشتر، بوصفه نموذجاً للفارس العقائدي الذي لم يساوم، ولم ينكسر، ولم ينسَ الدم الذي سُفك على أرض كربلاء.
ينتمي إبراهيم بن مالك الأشتر إلى بيت جهاد وولاء راسخ، فقد نشأ إلى جانب والده القائد الأسطوري مالك الأشتر، أحد أعمدة الدولة العلوية وأبرز المدافعين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث شكّل الأب والابن معاً سداً منيعاً بوجه خصوم الحق، وكانا من أشد المتصدين للنفاق السياسي والعسكري الذي واجه الدولة العلوية.
ومنذ بداياته، عُرف إبراهيم بالشجاعة الفائقة، والصلابة العقائدية، إلى جانب كونه شاعراً وفارساً لا يلين، مما جعله حاضراً في مفاصل الصراع الكبرى التي شهدها عصر أمير المؤمنين.
شارك إبراهيم بن مالك الأشتر إلى جانب والده في معركة صفين، تلك المواجهة الفاصلة بين معسكر الحق بقيادة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ومعسكر الباطل بقيادة معاوية بن أبي سفيان، حيث لم تكن صفّين مجرّد معركة عسكرية، بل امتحاناً للثبات والولاء، فقد خرج منها إبراهيم أكثر التصاقاً بخط الإمامة، وأكثر استعداداً لدفع ثمن هذا الخيار.
ووفقاً للموسوعة، فلم يتزعزع ولاء إبراهيم بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) سنة 40 هـ، بل واصل الوقوف إلى جانب الإمام الحسن (عليه السلام) خلال مرحلة تولّيه شؤون الدولة، وبقي ثابتاً حتى فُرض الصلح القاسي الذي أنهى الحكم العلوي الظاهر.
وبعد استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام) مسموماً، لازم إبراهيم الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان من بين الذين كتبوا إليه يدعونه للقدوم إلى العراق، استجابة لحراك شعبي واسع آنذاك، غير أن السلطة الأموية سارعت إلى قمع هذا الحراك عبر اعتقال قادة الشيعة وزعمائهم، وكان إبراهيم الأشتر أحد من زُجّ بهم في سجون هذه السلطة الغاشمة.
مكث إبراهيم الأشتر فترة في سجون السلطة الأموية، ولم يُطلق سراحه إلا بعد أن تمكّن عبيد الله بن زياد من قمع ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) واستتب له الأمر في العراق، لكن الإفراج لم يكن نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة أخطر، حيث بدأ قادة الشيعة المفرج عنهم بالتشاور سراً حول ضرورة مواجهة الحكم الأموي والأخذ بثأر الدم الحسيني.
وكان إبراهيم الأشتر في مقدمة هؤلاء، ما جعله هدفاً مباشراً لحملات القمع والملاحقة، الأمر الذي اضطره إلى التخفي عن أنظار السلطة، انتظاراً للحظة المناسبة، حتى إعلان المختار الثقفي عن ثورته للانتقام من قتلة الإمام الحسين وأصحابه، ليجد إبراهيم الأشتر في هذه الحركة الامتداد الطبيعي لعقيدته ومسيرته، فالتحق بها دون تردد، وبسبب سمعته القتالية وشجاعته الاستثنائية، أُوكلت إليه قيادة القوات الثائرة، ليصبح الذراع العسكرية الأبرز في مشروع الثأر الحسيني.
ومع تصاعد الثورة، سارعت السلطة الأموية إلى تجهيز جيش كبير بقيادة عبيد الله بن زياد، بهدف القضاء على حركة المختار، وردّاً على ذلك، فقد أُعدّ جيش واسع من أنصار الثورة، وأسندت قيادته العامة إلى إبراهيم الأشتر.
تقدّم إبراهيم الأشتر بجيشه نحو الحدود العراقية السورية، حيث كانت المواجهة الحاسمة مع الجيش الأموي، الذي ضم آلاف المقاتلين، بينهم عدد كبير ممن شاركوا في جريمة كربلاء، وقادة سرايا تلطخت أيديهم بدم الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه.
المصدر: زميزم، سعيد رشيد، رجال ثأروا لدم الحسين، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، 2021، ص61-65.