وتشير الدراسة إلى أن المناخ لم يكن عنصراً طبيعياً محايداً، بل قوة فاعلة أسهمت عبر التاريخ في رسم الجغرافية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للعراق عموماً ولكربلاء المقدسة على وجه الخصوص، فمنذ أقدم العصور، أدرك الإنسان أثر الشمس ودرجات الحرارة وقلة الأمطار، حتى أن السومريين أطلقوا على جنوب السهل الرسوبي اسم “بلاد الشمس”، في دلالة واضحة على حضور المناخ في الوعي الحضاري المبكر.
وفي كربلاء المقدسة، أسهم المناخ في توجيه النشاط الزراعي واعتماد السكان على الأنهار مصدراً أساسياً للمياه، كما كان له دور في صياغة أنماط السكن والتخطيط العمراني. فقد انعكست درجات الحرارة المرتفعة صيفاً والمنخفضة شتاءً على تصميم البيوت المتقاربة والشوارع الضيقة، بما يخفف من حدة الإشعاع الشمسي ويقلل من تأثير الرياح الباردة، الأمر الذي ما زال واضحاً في الأحياء القديمة مثل منطقة باب بغداد، وباب الخان، والسلالمة، حيث نشأت علاقات اجتماعية متينة فرضها هذا النمط العمراني المتكيف مع المناخ.
وتؤكد الدراسة أن المناخ يؤثر بشكل مباشر في راحة الإنسان ونشاطه وإنتاجيته، الأمر الذي يجعل الخصائص المناخية عاملاً أساسياً في اختيار أماكن الاستقرار ومواسم النشاط السياحي، فالسياحة، بوصفها بحثاً عن الراحة الجسدية والنفسية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدرجات الحرارة والرطوبة وحركة الرياح.
ضمن هذا السياق، تبرز أهمية كربلاء المقدسة كمركز سياحي عالمي يستقطب ملايين الزائرين سنوياً، لما تمتلكه من مراقد دينية مقدسة وإرث تاريخي وحضاري عميق، ويجعل هذا الواقع من دراسة الخصائص المناخية ضرورة علمية لتحديد مدى ملاءمتها لراحة السكان والزائرين، والتمييز بين الفترات المناخية المناسبة وغير المناسبة للنشاط السياحي.
كما تهدف الدراسة، بحسب ما ورد في موسوعة كربلاء الحضارية الشاملة، إلى الوصول إلى دليل مناخي سياحي يراعي متطلبات الراحة البشرية، ويسهم في التخطيط الأمثل للنشاطات السياحية والخدمية، بما ينسجم مع خصوصية المدينة الدينية ويعزز من جودة الحياة فيها، سواء للسكان المحليين أو للزائرين القادمين من داخل العراق وخارجه.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشَامِلَةُ، المحور الجغرافي، 2017، ج1، ص123-124.