في عمق الذاكرة الشعبية لمدينة كربلاء المقدسة، تتناقل الألسن أمثالاً تختصر تجارب الإنسان وتقلبات الحياة، وتحوّل الحوادث اليومية إلى حكمة متوارثة. ومن بين هذه الأمثال العريقة يبرز المثل الكربلائي الشهير: "إبنادم ميدري بيا حجارة يعثر"، بوصفه تعبيراً مكثفاً عن فلسفة شعبية عميقة ترى في المصير سراً من أسرار الغيب.
هذا المثل، كما ورد في موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، يتكوّن من مفردات بسيطة في ظاهرها، لكنها محمّلة بدلالات إنسانية واسعة، فكلمة "إبنادم" تعني "ابن آدم"، أي الإنسان عموماً، دون تخصيص أو تمييز، أما "ميدري" فتعني "لا يعلم ولا يدري"، في إشارة صريحة إلى محدودية المعرفة البشرية، فيما تأتي كلمة "بيا" بمعنى "بأي"، لتكمل الصورة الذهنية، في حين تحيل "حجارة يعثر" إلى العثرة المفاجئة التي قد تعترض طريق الإنسان في أي لحظة.
ويُضرب هذا المثل عند التعرّض لحادث غير متوقّع، أو عندما يواجه الإنسان مصيراً غامضاً لا يمكن التنبؤ به، ليؤكد أن ما يخبئه الغيب خارج عن حسابات البشر وتقديراتهم، وهو بذلك يعكس وعياً شعبياً متجذّراً بحقيقة أن الحياة لا تسير دائماً وفق ما يُراد لها، وأن الأقدار قد تأتي من حيث لا يُحتسب.
ولا يقتصر حضور هذا المثل على كونه تعبيراً لغوياً، بل يمثل جزءاً من منظومة ثقافية واجتماعية في كربلاء، تشكّلت عبر قرون من التجارب الإنسانية، حيث امتزج الإيمان بالغيب مع الواقعية اليومية، فخرجت أمثال تختصر الحكمة بأوجز العبارات.
وهكذا، لا يبدو المثل الشعبي "إبنادم ميدري بيا حجارة يعثر" مجرد قول دارج، بل مرآة لوعي اجتماعي يرى في الحياة درباً مليئاً بالعثرات غير المتوقعة، ويؤمن بأن المصير بيد الله (عز وجل)، وأن على الإنسان أن يمضي وهو مدرك لحقيقة ضعفه أمام خفايا الغيب.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية، المحور الإجتماعي، ج2، 2020، ص34.