لم تكن كربلاء المقدسة مدينة للقداسة الدينية فحسب، بل كانت أيضاً منجماً للكلمة الوطنية الصادقة، حيث أسهم شعراؤها في تشكيل الوعي الجمعي، وتحويل الشعر إلى أداة تعبير ومقاومة وموقف أخلاقي راسخ.
ومن بين أولئك الشعراء الذين ارتبط اسمهم بالهمّ الوطني والقومي، يبرز الشاعر الكربلائي "مظهر عبد النبي اطيمش" بوصفه واحداً من شعراء الرعيل الأول الذين جعلوا من القصيدة صوتاً للأحداث، وضميراً للمرحلة.
ووفقاً لموسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، فقد ولد هذا الشاعر الهمام عام 1907، وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية، قبل أن يلتحق بدار المعلمين في بغداد، ليبدأ مسيرته المهنية معلماً في سلك التعليم الابتدائي، غير أن التعليم لم يكن سوى امتداد لرسالته الأوسع، إذ تزامن مع نضجه الشعري الذي تأثر فيه بأساتذته من أسرة اطيمش العريقة، ليصقل موهبته ويمنحها بعداً لغوياً وبلاغياً مكّنه من الحضور الفاعل في الندوات الأدبية التي شهدتها كربلاء آنذاك.
تميّز شعر "مظهر اطيمش" بثلاثية واضحة المعالم، وهي الوصف البليغ، ومديح أهل البيت (عليهم السلام)، والوطنية. إلا أن الأحداث الوطنية الكبرى التي شهدها العراق والمنطقة العربية شكّلت المنعطف الأبرز في تجربته الشعرية، حيث جاءت قصائده استجابة مباشرة للوقائع، لا ترفاً لغوياً أو إنشاداً معزولاً عن الواقع، وقد انعكس ذلك بوضوح في شعره الوطني والقومي، ولا سيما في تعاطيه مع القضية الفلسطينية، التي عدّها قضية إنسانية وأخلاقية تمس ضمير كل إنسان حرّ وغيور.
وعلى خلفية ثورة عام 1941، نظم الشاعر عدداً من القصائد الحماسية، التي كان من أبرزها القصيدة التي أُلقيت في اجتماع الهيئة العمومية لجمعية ندوة الشباب العراقي في كربلاء. وجاء مطلعها مشحوناً بالنداء والتحريض والاعتزاز القومي، إذ قال:
يا شباب العرب يا أسد الشرى وحماة الغاب والجيش اللهاما
لرحاب المجد سيروا سرعاً لتنالوا من أعدائنا المراما
في هذه الأبيات، تتجلى ملامح الخطاب الشعري عند اطيمش، حيث يخاطب الشباب بوصفهم طاقة الأمة، مستدعياً صور القوة والبطولة، ومؤسساً لقصيدة تؤدي وظيفة التعبئة وبعث العزيمة، لا الاكتفاء بالوصف.
ولم يتوقف حضوره الشعري عند هذه المناسبة، بل واصل نظم القصائد الحماسية، ومنها قصيدته المعروفة "ألا تبت يمين ذوي النفاق"، التي أُلقيت عصر يوم 17 أيار 1941 في صحن أبي الفضل العباس (عليه السلام)، في دلالة واضحة على اقتران الكلمة بالمكان، والقصيدة بالقداسة، والموقف الوطني بالبعد الروحي.
وفي هذه القصيدة، يوجّه الشاعر خطابه مباشرة إلى أبناء العراق، مستنهضاً فيهم الفخر والانتماء، قائلاً:
أأبناء العراق الغر يامن يرف عليهم علم العراق
لكم مجد على الدنيا تسامى معالمه مخلدة بواقي
تتسم هذه الأبيات بوضوح الرسالة وقوة الخطاب، حيث تتحول القصيدة إلى سجل شرف وذاكرة وطنية، تمجّد العراق وتربط مجده بالاستمرارية والخلود، في لغة مباشرة لكنها مشحونة بالعاطفة والانتماء.
إن تجربة مظهر عبد النبي اطيمش تمثل نموذجاً لشعراء كربلاء الوطنيين الذين لم يفصلوا بين الشعر والواقع، ولا بين الكلمة والموقف، فقد كان شعره مرآة للأحداث، وصوتاً لضمير المدينة، ودليلاً على أن كربلاء، كما أنجبت الثوار، أنجبت أيضاً شعراء حملوا الوطن في قصائدهم، وجعلوا من الحرف سلاحاً لا يقل أثراً عن أي فعل آخر.
المصدر: توفيق حسن العطار، الوطنية في شعر كربلاء، 2015، ص28-32.