اعتمد التعليم في كتاتيب كربلاء قديماً على الملا أو الشيخ بوصفه الركيزة الأساس للعملية التعليمية، يساعده شخص يُعرف بـ "الخلفة" أي الذي يخلفه في غيابه، ويكون عادةً من الطلبة النابهين أو من المتخرجين سابقاً، ممن حفظوا القرآن وأتقنوا الدروس، حيث تتنوّع مهام الخلفة بين الإشراف على التلاميذ الجدد، وتعليمهم، وحثهم على أداء واجباتهم بانتظام، بالإضافة إلى نقل التعليمات والانضباط داخل الكتاب، فيما كان يُطلق على التلميذ وصف "صانع"، في دلالة على كونه في طور التشكّل العلمي والمعرفي، وفي بعض الأحيان كان أكثر من ملا يشترك في إدارة الكتاب إذا ازداد عدد التلاميذ.
أما أدوات التعليم، فكانت بسيطة وتعكس روح العصر، إذ يجلس الملا أمام منضدة صغيرة، وبجواره صفيحة نحاسية "تنكة" ومحبرة وأقلام من القصب، حيث يكتب الشيخ أو الخلفة سطراً واحداً في دفتر الطفل، ليقوم الأخير بنسخه مرات عدة بالحبر الأسود على الصحيفة النحاسية، مردداً ما يكتب بصوت مسموع، في أسلوب يجمع بين الحفظ والتلقين. وبعد عرض الدرس على الشيخ، تُغسل الصحيفة في إناء خزفي يُعرف بـ "البرمة" استعداداً لدرس جديد، في مشهد يومي يختزل فلسفة التعليم القائم على التكرار والانضباط.
ومع إتمام حروف الهجاء، ينتقل التلميذ إلى مرحلة "المشق"، حيث يبدأ بكتابة السطر الأول كنموذج للتدريب على الخط والقراءة، وكان التلاميذ يكتبون يومياً ثلاث أو أربع صفائح نحاسية، ويستمر تكرار الدرس نفسه نحو أسبوع كامل، يخضعون خلاله لاختبار يومي أمام الشيخ أو الخلفة في درس اليوم السابق، بما يعزز الحفظ والدقة والاستيعاب.
وفي السنة الثانية، يتجه التعليم إلى علوم القرآن الكريم، حتى إذا أتمّ التلميذ حفظه وختمه، أُقيمت له احتفالية خاصة تُعرف بـ "الختمة"، أو "الزفة" في بعض المناطق، وهي مناسبة اجتماعية ودينية تعبّر عن مكانة العلم وحافظ القرآن في المجتمع الكربلائي آنذاك.
وتشير موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، إلى أن غالبية الطلبة كانت تنهي دراستها عند هذا الحد، لينصرفوا بعدها إلى الحياة العامة وتعلّم المهن والحِرف، بينما كان بعضهم يجمع بين طلب العلم ومزاولة العمل بعد انتهاء الدروس اليومية، في نموذج يعكس طبيعة المجتمع القائم على الكدّ والسعي، ويؤكد أن الكتاتيب لم تكن مجرد أماكن للتعليم، بل مؤسسات أسست لقيم الانضباط والعمل والاعتماد على النفس في كربلاء القديمة.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشَامِلَةُ، المحور التاريخي، قسم التاريخ الحديث والمعاصر، 2020، ج2، ص16-19.