وتُظهر الدراسات الاستشراقية المبكرة، حضوراً لافتاً لواقعة كربلاء بوصفها حدثاً تاريخياً وإنسانياً مفصلياً في التاريخ الإسلامي، ومن بين هذه الدراسات، يبرز عمل البروفيسور الألماني "هاينريش فيرديناند فوستنفيلد" (1808–1899)، المتخصص في التاريخ الإسلامي والأدب العربي، والذي كرس جانباً من مشروعه العلمي لتحقيق نصوص التراث الإسلامي وتحليلها وفق مناهج البحث التاريخي المعتمدة في الجامعات الأوروبية آنذاك.
ووفقاً للموسوعة، فقد أنجز "فستنفلد" دراساته العلمية في جامعتي هانوفر وبرلين، قبل أن يتجه إلى تحقيق نصوص إسلامية محورية، كان من أبرزها كتابه الموسوم "موت الحسين"، والذي طُبع في مدينة غوتنغن عام 1883م، حيث اعتمد المستشرق الألماني في هذا العمل على روايات أبي مخنف الواردة في كتابه المعروف "مقتل الحسين"، مما يعكس إهتمامه الإستثنائي بتوثيق أحداث الفاجعة ونقل تفاصيلها التاريخية.
ويمثل هذا الكتاب محاولة أكاديمية غربية لفهم واقعة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال المصادر الإسلامية نفسها، بعيداً عن السرديات الأسطورية أو الانطباعات العامة، وهو ما يمنحه قيمة خاصة في سياق الدراسات الاستشراقية التي سعت إلى قراءة التاريخ الإسلامي بوصفه مادة علمية قابلة للتحقيق والتحليل.
ولم يقتصر إسهام "فستنفلد" على هذا الكتاب، إذ تُعد سيرته العلمية حافلة بترجمات وتحقيقات ومؤلفات أساسية في ميدان التراث الإسلامي، إذ قام بتحقيق كتاب "طبقات الحفاظ" لأبي عبد الله الذهبي في ثلاثة أجزاء عام 1833م، كما أنجز تحقيق "اللوحات الجغرافية" لأبي الفداء عام 1835م، فضلاً عن كتابه "أكاديميات العرب وأساتذتها" الصادر عام 1837م، الى جانب مؤلفات أخرى تناولت الجغرافيا والتاريخ والأدب العربي.
وتكشف هذه الأعمال مجتمعة عن اهتمام علمي عميق بالحضارة الإسلامية ومصادرها الأصلية، كما تعكس أهمية واقعة الطف الخالدة، وشخصية السبط الأصغر (عليه السلام)، في الوعي الأكاديمي الغربي بوصفهما مفتاحاً لفهم التحولات السياسية والدينية والأخلاقية في التاريخ الإسلامي، وهو ما تؤكده موسوعة كربلاء الحضارية، التي وثّقت هذه الجهود ضمن قراءتها الشاملة لحضور كربلاء في الكتابات العالمية.
المصدر: ليث عبد الحسين العتابي، الإمام الحسين في الدراسات الإستشراقية، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، 2018، ص45.