وتكشف موسوعة كربلاء الحضارية، الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، عن نماذج جيومورفولوجية نادرة تشكلت بفعل الرياح المحمّلة بالرمال، لتمنح جغرافية المحافظة بعداً علمياً وجمالياً يستحق التوقف عنده.
ووفقاً للمحور الجغرافي من الموسوعة، فإن الكهوف الريحية هي من أبرز الظواهر الطبيعية الناتجة عن التعرية الريحية في كربلاء، إذ تنشأ هذه التكوينات نتيجة اختلاف التركيب الصخري للطبقات المعرضة لاحتكاك الرياح المشبعة بذرات الرمال، حيث لا تؤثر الرياح بشكل متساوٍ على جميع أجزاء السطح الصخري، بل تعمل على نحت الأجزاء الرخوة بسرعة أكبر، فتتعمق وتتجوف لتشكّل حُفراً وثقوباً جوفية متفاوتة الأحجام.
وفي المقابل، تبقى الأجزاء الأكثر صلابة من الصخور على هيئة فواصل وأعمدة صخرية تفصل بين هذه التجاويف، مما يمنح المشهد الطبيعي طابعاً فنياً دقيق التفاصيل، وكأن الطبيعة نفسها تمارس النحت بوعي وصبر، وتبرز هذه الظاهرة بشكل واضح قرب تلال "الطار" في منطقة الدراسة، حيث تُعرف محلياً باسم “كهوف الطار”، كما تظهر في أجزاء من جنوب محافظة كربلاء، مشكلةً سجلاً طبيعياً لتاريخ طويل من التفاعل بين الرياح والصخور.
أما الأرصفة الصحراوية، فتُعد بدورها دليلاً جيولوجياً صريحاً على الدور النحتي للرياح في البيئات الجافة، حيث تشير الموسوعة إلى أن الرياح تقوم بنقل المواد الدقيقة الناتجة عن عمليات التفكيك والتجوية، إذ تلتقط الذرات الصغيرة من فوق السطح الأرضي وتحملها بعيداً، تاركة خلفها حبيبات الرمال الأكبر حجماً والمفتتات الصخرية الثقيلة.
ومع مرور الزمن، تتشكل طبقة سطحية صلبة نسبياً، تُعرف بالأرصفة الصحراوية، تعكس قدرة الرياح على إعادة ترتيب مكونات الأرض وفق منطقها الخاص، وتنتشر هذه الظاهرة على مساحات واسعة من الهضبة الغربية لمحافظة كربلاء، لتشكّل مشهداً طبيعياً يوحي بالصلابة والسكون، رغم أنه نتاج حركة دائمة وغير مرئية.
وتكشف هذه الأشكال الأرضية عن جانب مهم من تاريخ كربلاء الطبيعي، كما تؤكد أن المحافظة ليست حاضنة للتراث الديني والإنساني فحسب، بل هي أيضاً مختبر مفتوح لعلوم الأرض والبيئة، حيث تمثل الكهوف الريحية والأرصفة الصحراوية شواهد حية على قوة العوامل الطبيعية، وأهمية توثيقها ودراستها بوصفها جزءاً من الإرث الجغرافي والحضاري لمدينة سيد الشهداء (عليه السلام).
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية، المحور التاريخي، قسم التاريخ القديم، ج1، 2017، ص102-103.