أثارت كتابات المستشرق الألماني "يوليوس فلهاوزن" حول ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وموقف أهل الكوفة منها نقاشاً واسعاً في الدراسات التاريخية، لما حملته من توصيفات حادة حاولت تفسير سلوك المجتمع الكوفي في واحدة من أخطر لحظات التاريخ الإسلامي.
وتكشف هذه القراءة، كما وردت في موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، عن رؤية استشراقية تحتاج إلى مراجعة نقدية دقيقة في ضوء المعطيات التاريخية الموثقة.
ويرى "فلهاوزن" أن جمهور أهل الكوفة لم يكن متحمساً لدعم دولة بني أمية، لكنه في الوقت ذاته لم ينخرط فعلياً في معسكر معارضيها، مبيناً أن عدداً من الذين كتبوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام) وأقسموا على نصرته، تخلوا عنه عند الامتحان الحقيقي، واكتفوا بمراقبة المعركة من بعيد، ثم البكاء بعد وقوع الفاجعة، من دون أن يقدموا له عوناً عملياً في لحظة المصير.
ويشير المستشرق الألماني إلى أن من التحق بالإمام الحسين (عليه السلام) من أهل الكوفة كانوا قلة نادرة، من بينهم شخصيات شجاعة مثل "أبي ثمامة الصائدي" و"مسلم ابن عوسجة"، في حين أن عدداً من أنصاره كانوا ممن التقاهم عرضاً في الطريق، أو ممن دفعتهم الحمية الإنسانية في اللحظات الأخيرة إلى الالتحاق به، رغم أنهم لم يكونوا معروفين سابقاً بولائهم له أو بانتمائهم إلى شيعته.
غير أن هذا التصنيف، بحسب ما تؤكده الموسوعة، يفتقر إلى الدقة التاريخية، إذ إن واقع الكوفة آنذاك كان أكثر تعقيداً مما صوّره فلهاوزن، فالمجتمع الكوفي كان يتألف من ستة أصناف رئيسة، ففئة اصطفت مع الباطل وشاركت في جيش عمر بن سعد، وفئة وقفت على الحياد بين الحق والباطل بدافع النفاق أو الخوف، فيما انضمت فئة قليلة إلى أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) من شيعته المخلصين، وفئة أخرى كانت قابعة في السجون والمعتقلات بسبب ولائها، في حين تم إغتيال فئة أخرى خشية نصرتها للثورة، ناهيك عن فئة أخيرة نصرت الإمام بدافع إنساني خالص دون انتماء مذهبي سابق.
وقد أبرز المؤرخون هذا التناقض الحاد بين المتفرجين المعتزلين الذين آثروا السلامة، وبين أولئك الذين خاضوا غمار المواجهة نصرة للإمام الحسين (عليه السلام)، في مشاهد درامية كشفت عجز الصامتين وأحرجت موقفهم الأخلاقي أمام تضحيات القلة المؤمنة.
ومن اللافت، وفقاً لما تؤكده المصادر التاريخية، أن ظاهرة التخاذل لم تقتصر على أهل الكوفة وحدهم، إذ إن معظم الأنصار لم يكونوا من القرشيين فقط، فقد تخلّى الكثيرون عن سبط رسول الله (صلوات الله عليهما)، ولم يخرج من المدينة المنورة أحد منهم معه، كما لم يكن بين شيعة الكوفة من القرشيين إلا أفراد قلائل جداً.
وتكشف هذه القراءة النقدية لكتابات فلهاوزن أن الاختزال الاستشراقي لموقف أهل الكوفة أغفل السياق السياسي القمعي الذي فرضته السلطة الأموية، وتجاهل واقع السجون والاغتيالات والترهيب، ما يستدعي إعادة قراءة تاريخ كربلاء بميزان علمي منصف يفرّق بين العجز القسري والتخاذل الإرادي، وبين الصمت المفروض والخيارات الحرة.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشَامِلَةُ، المحور التاريخي، قسم التاريخ الإسلامي، 2020، ج8، ص57-59.