ومن بين تلك الجواهر المعرفية، تبرز مكتبة السيد "نصر الله الحائري" بوصفها واحدة من أقدم وأجلّ خزائن الكتب الخاصة في المدينة، وواحدة من العلامات الباقية في ذاكرة كربلاء العلمية رغم ما مرّ عليها من انكسارات وضياع ونهب وحروب.
أسّس هذه المكتبة الجليلة العالم الشاعر السيد "نصر الله بن الحسين بن مساعد بن طعمة كمال الدين الأول الفائزي"، الذي استشهد في إسطنبول سنة 1168هـ، ومن شهرة هذه الخزانة أن المؤرخين يذكرون أنّ مؤسسها، وفي طريقه إلى كربلاء، اشترى من أصفهان وحدها أكثر من ألف كتاب ليبدأ بها نواة مكتبته، في زمنٍ لم يكن جمع الكتب فيه إلا مغامرةً تتطلّب مالاً وعلماً وصبراً وشغفاً لا حدود له.
وبحسب ما سجّلته أشهر المصادر التراثية، فقد كانت هذه المكتبة تزخر بكتب نادرة لا تُرى في غيرها، حتى أن السيد "عبد الله" حفيد السيد "نعمة الله الجزائري"، روى في كتابه “الإجازة الكبيرة” أنه شاهد فيها ما لم يره في أي خزانة أخرى، ومنها كامل مجلدات "بحار الأنوار" بنسخة فريدة لم تكن متوفرة في أغلب مكتبات عصره.
ورغم مكانتها المرموقة، لم تسلم هذه الكنوز من قسوة الأيام، فقد تُركت الكتب بعد وفاة مؤسسها مخزونة عند ورثته، وتعرضت مثل غيرها من مكتبات كربلاء لموجات النهب والحرق والفقد التي ضربت المدينة في مراحل مختلفة، خصوصاً في أحداث الغزو الوهابي سنة 1801م والتي أتت على مكتبات ومساجد ودور علم لا تُقدّر بثمن.
ومع كل ما ضاع أو نُهب أو تشتت، بقيت ذكريات مكتبة الحائري حاضرة في الوجدان الكربلائي كمثالٍ على الجهد الفردي العظيم الذي صنع تاريخاً معرفياً لا يزال حاضراً في مصادر التراث وكتب الرجال والحديث والتاريخ.
المصدر: آل طعمة، سلمان هادي، صحافة كربلاء، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، 2020، ص19-20.