ضمن جهوده الحثيثة لتوثيق الإرث التاريخي والاجتماعي لمدينة كربلاء المقدسة، يسلط قسم الإعلام في المركز الضوء على كتابات الرحالة الأجانب الذين زاروا المدينة ووثقوا حياتها اليومية؛ وفي مقدمتهم الرحالة والمستشرق الروسي "إيليا نيكولا بيرزين" خلال رحلته الشهيرة عام 1843م.
رصد "بيرزين" في تدويناته الدقيقة ملامح "مهنة الحلاقة" التقليدية (المزين) داخل أزقة كربلاء القديمة وأسواقها المحيطة بالعتبتين المقدستين، ناقلا صورة حية عن أهميتها الانثروبولوجية آنذاك.
تذكر مصادر الرحلة أن الحلاق الكربلائي في ذلك العصر لم يكن مصففا للشعر فحسب، بل شكل دعامة طبية شعبية لأهل المدينة وزوارها. وصف "بيرزين" كيف كان "المزين" يمارس مهام الختان (المطهر)، قلع الأسنان، فصاد العروق، وإجراء الحجامة التي كانت طبابة شائعة جدا لعلاج الأمراض بين أوساط الناس آنذاك، نظرا لندرة الأطباء الأكاديميين في تلك الحقبة العثمانية.
تشير أوراق الرحالة الروسي إلى أن أدوات المهنة لم تتعد الموس، المقص، المسن الجلدي، وإبريق الماء، حيث كان بعض الحلاقين يعملون بنظام التجوال في خانات المدينة وأسواقها (مثل سوق المخاضة وباب الخان) لخدمة قوافل الزائرين القادمين من شتى بقاع العالم الإسلامي. في حين شكلت الدكاكين المستقرة الصغيرة نواد ثنائية واجتماعية لتبادل أخبار المدينة السياسية والاجتماعية.
وفي تعليق له حول هذا التوثيق، أكد الأستاذ عبد الأمير القريشي، مدير مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة، "أن إعادة قراءة تدوينات الرحالة الأجانب مثل "إيليا نيكولا" لا تقف عند حدود السرد التاريخي، بل تأتي لتعزيز الهوية الثقافية للمدينة. وأضافت الإدارة أن "مهنة الحلاقة" في كربلاء تمثل نموذجا حيا للتكافل الاجتماعي والخدمة الإنسانية التي نمت بجوار المراقد المقدسة، مشيرة إلى أن المركز يعمل بشكل متواصل على مطابقة هذه النصوص الغربية مع الذاكرة الشفاهية المحلية والمخطوطات الإسلامية لتقديم مادة علمية متكاملة تخدم الباحثين والإعلاميين".
يذكر أن هذه المادة التاريخية تمثل جزءا من مشروع "موسوعة كربلاء الحضارية الشاملة" التي يصدرها المركز، والتي تعنى بتوثيق الحرف الشعبية للمدينة لحماية الذاكرة التراثية الكربلائية من الاندثار.
المصدر/ موسوعة كربلاء الحضارية، المحور الاجتماعي، ج1، ص93-96