اختيار الموت بعزّ و كرامة أفضل من الحياة مع الذل و روي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (ع): «الْمَنِيَّةُ وَ لَا الدَّنِيَّةُ»1 ، و هي جزء من حكمة أكبر و فيها قال (ع): «الْمَنِيَّةُ وَ لَا الدَّنِيَّةُ، وَ التَّقَلُّلُ وَ لَا التَّوَسُّلُ، وَ مَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماً، وَ الدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ وَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ»2 .
و هذه الحكمة شعار الشرفاء و مكانها ميادين الجهاد و القتال و المقاومة و أصحابها أهل الإباء و المبادئ و القيّم الذين لا يرضون بحياة ذل و هوان، و خلاصتها الحياة بعزّ أو الموت بشرف.
المنيّة هي الموت و الجمع منايا، و الدَّنيَّة هي الدنيئة و النقيصة، و المعنى في المنيّة و لا الدنيّة أو المنايا و لا الدنايا أي إنّي أختار الموت و لا أعيش بذل و هوان، فالموت عندي أولى من حياة الذل، فأختار المنيّة و أرفض الدنيّة.
و الحكمة دعوة إلى الاتصاف بالكرامة و عزّة النَّفس و الإباء و إن كلّف ذلك الموت، و التّحذير من الذل و الخنوع و المهانة، و هي ترشد إلى رفض المساومة على الكرامة و المبادئ و التمسك بالقيّم و رفض الاستسلام و الخضوع و إن أدى ذلك إلى الموت، فالموت الكريم و الشهادة أفضل من الذل و الصغار، فهي بذلك شعار تعبئة للشباب و الجماهير عامة ضد الظلم و الجور و حث على التمسك بالحق و الاحتفاظ بالهوية الإيمانية حين التعرض للضغوط.
و الحكمة تعبر عن حالة من التمسك بالمبادئ و الاعتزاز و البطولة و تستخدم عامة في مواقف تبيّن الجدّ و العزيمة و الفداء و التضحية مهما كلفت من أجل الحفاظ على القيّم و المبادئ، و عامة تدعو الحكمة أن يكون الإنسان حرا شريفا يأبى أن تُجرح كرامته أو ينتقص مقامه أو يُهان أو يُذل بل و خياره هو الموت دون أن يُنال من كرامته أو مكانته أو شرفه.
و مثلها عن أمير المؤمنين (ع) «فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ وَ الْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ»3 .
و كان جيش معاوية في صفين قد عسکر علی شریعة الفرات و منع جیش الإمام من الشرب منه و استخدامه، و عندما أرسلوا السفراء لطلب ذلك و السماح لهم بشرب الماء رفض معاوية و جيشه، فصبر أمير المؤمنين علي علیه السلام مدة، ثم دعاهم لأخذه بالقوة، فقال عليه السلام:
«قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَ الْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ»4 .
و بعد أن هجم جيش الإمام علیه السلام و أزاح جیش معاویة من موقعه و هزمه فانسحب الأمويون و استولى جيش أمير المؤمنين عليه السلام على الماء، فقيل له (ع) أمنعهم الماء كما منعوك، فقال (ع): لا، خلّوا بينهم و بينه، لا أفعل ما فعله الجاهلون، فأذن لهم فی استعماله.
و في موقف آخر ينسب عليه السلام حالة الدنيّة إلى العجز و الضعف النفسي، وهو يرفضها تماما و يدعو إلى رفضها، قال عليه السلام: «وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ، يَعْرُقُ لَحْمَهُ وَ يَهْشِمُ عَظْمَهُ وَ يَفْرِي جِلْدَهُ لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ، أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ وَ تَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَ الْأَقْدَامُ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَشاءُ»5 .
و مبادئهم و خيارهم عليهم السلام هو في الموت بكرامة و عزّ و إباء دون الدنيّة، لا يقبلون بالهوان و لا يرتضونه للآخرين، و يدعون إلى الحفاظ على الكرامات و المروءات و الشرف و إلا فالموت أولى فكانت حياتهم عليهم السلام الأسوة و استشهدوا جميعا مع محافظتهم على قيّم و مبادئ العزّ و الإباء، و هذا معنى كلام الإمام الحسين (ع) في كربلاء حيث قال (ع): « فَإِنِّي لاَ أَرَى اَلْمَوْتَ إِلاَّ سَعَادَةً، وَ لاَ اَلْحَيَاةَ مَعَ اَلظَّالِمِينَ إِلاَّ بَرَماً»6 .
و كان يوم عاشوراء حين القتال يرتجز و يقول:
اَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ اَلْعَارِ وَ اَلْعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ اَلنَّارِ
وَ اَللَّهِ مَا هَذَا وَ هَذَا جَارِي7 .
و قد علّموا الأمم و الأجيال على اختلاف مشاربها و مناطقها و أزمنتها أنّ الحياة ليست إلا تلك العزيزة الكريمة بالقيّم و المبادئ و الأخلاق و إلا فالموت أولى.
و قال الإمام الحسين (ع) أيضا: «ألَا و إنّ الدَعِيَّ ابنَ الدَعِيِّ قدْ رَكَزَ بينَ اثنَتَينِ: بينَ السِّلَّةِ و الذِّلَّةِ، و هيهاتَ منّا الذِّلَّةُ، يأبَى اللهُ لَنَا ذلكَ و رَسُولُهُ و المؤمِنونَ، و حُجورٌ طابَتْ و طَهُرتْ، و أُنُوفٌ حَمِيَّةٌ و نُفُوسٌ أبِيَّةٌ مِنْ أنْ نؤْثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ على مصارِعِ الكِرَامِ»8 .
أرفع مناسبات الحكمة هي في مواطن و ميادين الجهاد و لها تطبيقات أخرى في الحياة العامة فقد يُمارس على الإنسان ضغط أو ضغوط لثنيه عن مبادئه أو اغراءات تجره للباطل أو رشاوي تسحب منه عملا أو موقفا و الجواب هو «المنيّة ولا الدنيّة».
و في ديوان الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد العبسيّ:
لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ
ماءُ الحَياةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمٍ وَجَهَنَّمٌ بِالعِزِّ أَطيَبُ مَنزِلِ
و قال المتنبي:
وَإِذا لَم يَكُن مِنَ المَوتِ بُدٌّ فَمِنَ العَجزِ أَن تَكونَ جَبانا
كُلُّ ما لَم يَكُن مِنَ الصَعبِ في الأَن فُسِ سَهلٌ فيها إِذا هُوَ كانا
1- نهج البلاغة، حكمة 396
1- نهج البلاغة، حكمة 396
2- نهج البلاغة، حكمة 396
3- نهج البلاغة، خطبة 51
4- نهج البلاغة، خطبة 51
5- نهج البلاغة- الخطبة 34.
6- تحف العقول عن آل الرسول ( ص )، ابن شعبة الحراني، ص ٢٤٥، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، الحلواني، ص ٨٨، المناقب، ابن شهر آشوب، ج٤، ص ٦٨، شرح الأخبار، مقتل الحسين ( ع )، الموفق الخوارزمي، ج٢،، ص ٧ (و العيش مع الظالمين إلّا برما)، القاضي النعمان المغربي، ج٣، ص ١٥٠(وَ اَلْحَيَاةَ مَعَ اَلظَّالِمِينَ اَلْبَاغِينَ إِلاَّ بَرَماً)
7- المناقب، ابن شهر آشوب، ج٤ ، ص ٦٨
8- اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس، ص ٥٩، إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب، المسعودي، ص ١٦٦ (وحجور طابت وطهرت، نؤثر مصارع الكرام على طاعة اللئام)، مقتل الحسين ( ع )، الموفق الخوارزمي، ج٢، ص ١٠ (بين القتلة والذلة، وهيهات منا أخذ الدّنية، أبى اللّه ذلك ورسوله، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام)
المقال يمثل رأي الكاتب وليس بالضرورة ان يمثل رأي المركز