تحتفظ مدينة كربلاء المقدسة بتاريخ عريق يرتبط بمكانتها الدينية واحتضانها لعدد كبير من الأسر العلوية المنتسبة إلى آل بيت النبي (صلوات الله عليهم)، ومع مرور الزمن وتحسن الظروف الأمنية في فترات مختلفة من تاريخها، تحولت المدينة إلى مركز مهم لتجمع السادة الأشراف، الأمر الذي أفضى إلى إنشاء نقابة خاصة بهم تُعنى بشؤونهم وتنظيم أوضاعهم الاجتماعية والدينية.
وبحسب ما ورد في موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، فإن تزايد عدد الأسر العلوية المقيمة في كربلاء دفع نقيب الأشراف في القسطنطينية إلى اقتراح تأسيس نقابة أشراف خاصة بالمدينة، تُضاف إلى النقابات الثلاث القائمة آنذاك في العراق، وهي نقابات بغداد والنجف والموصل.
وتكشف وثيقة تاريخية مؤرخة في شهر رمضان سنة 991هـ الموافق لعام 1583م عن هذا المسعى، إذ وُجّهت إلى أمير أمراء بغداد في تلك الفترة "علي باشا الوند زاده"، متضمنة اقتراحاً رسمياً بتأسيس نقابة للأشراف في كربلاء، حيث تشير الوثيقة إلى أن نقيب أشراف القسطنطينية، "محيي الدين"، رفع رسالة إلى السلطان بهذا الشأن، داعياً إلى إنشاء نقابة رابعة في مدينة الإمام الحسين (عليه السلام)، تاركاً مسألة ترشيح النقيب إلى متولي الوقف في المدينة.
ورغم أن الوثيقة لا تذكر اسم متولي الوقف صراحة، فإن مصادر محلية تشير إلى أن المنصب كان يشغله آنذاك "شمس الدين بن شجاع القاضي الحائري الأسدي"، الذي تولى هذه المهمة منذ منتصف القرن السادس عشر واستمر فيها لسنوات طويلة، وقد جاء في مضمون الحكم العثماني أن الطلب يقضي بتعيين "محمد بن إسماعيل" نقيباً للأشراف في كربلاء المقدسة، بعد موافقة الجهات المعنية ورفع المقترح إلى السلطان لإقراره رسمياً.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الحدث يمثل محطة مهمة في التاريخ الاجتماعي والديني للمدينة، إذ يعكس حجم الحضور العلوي في كربلاء ودور النقابات في تنظيم شؤون السادة المنتسبين إلى آل البيت (عليه السلام)، إلى جانب الإشراف على الأوقاف والمهام المرتبطة بالمرقد الحسيني الشريف.
كما تكشف هذه الوثيقة الرمضانية عن صفحة مهمة من تاريخ كربلاء، حين بدأت ملامح تنظيم رسمي لشؤون الأشراف في المدينة، بما يعكس مكانتها الدينية واحتضانها لعدد كبير من الأسر العلوية التي أسهمت في تشكيل هويتها الاجتماعية والثقافية عبر القرون.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشاملة، المحور التاريخي، التاريخ الحديث والمعاصر، ص39-40.