تمثّل مدينة كربلاء المقدسة إحدى الحواضن التاريخية التي أنجبت أعلاماً في الفكر والأدب والعلوم الإنسانية، ويأتي الدكتور "صالح جواد آل طعمة" في طليعة هذه النخب التي اقترنت أسماؤها بالريادة والتميز، وأسهمت في ترسيخ الحضور الثقافي الكربلائي في المشهدين العراقي والعربي، كما وثّقته موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث.
يُعد "آل طعمة" من الشخصيات الأدبية الكربلائية الفذة التي تجلّت فيها معالم النبوغ المبكر، إذ لم يكن حضوره الثقافي نتاج صدفة، بل ثمرة إعداد أسري واعٍ، وقابليات فطرية، وطموح راسخ آمن منذ البدايات بأن له دوراً منتظراً في الحياة، وقد شكّلت كربلاء، ببيئتها الروحية والعلمية، الفضاء الأول الذي انفتحت فيه مداركه، قبل أن تمتد تجربته إلى آفاق عربية أرحب.
ووفقاً للموسوعة، فقد وُلد الدكتور "صالح جواد آل طعمة" في كربلاء المقدسة عام 1930، وفتح عينيه على مدينة عريقة بتاريخها العلمي والديني، تلقّى في سنواته الأولى رعاية أسرية مميزة، إذ بذل والداه جهداً استثنائياً في تربيته مادياً ومعنوياً، وكان للبيت دور المدرسة الأولى التي صاغت ملامح شخصيته، وغرست فيه القيم الأخلاقية والإنسانية، وهيّأته لشق طريقه بثبات نحو المستقبل.
وتشير المصادر إلى أن أثر والدته كان بالغاً في هذا الإعداد المبكر، إذ أسهمت في تنمية حسّه الأخلاقي والفكري، فشبّ صالح النشأة، سليم العقل، واضح الطموح، يحمل في داخله شعوراً عميقاً بأنه سيكون “شيئاً” مؤثراً في الحياة، وقد رافقه هذا الإحساس منذ الطفولة، وتعزز في مراحل الصبا والشباب، مدعوماً بثقة عالية بالنفس وتفكير جاد بالعمل والإنجاز.
كما بدت إمارات الذكاء والنبوغ واضحة عليه رغم حداثة سنه، حتى إن ملامحه كانت تعكس، بحسب توصيف معاصريه، إشارات الرفعة والسمو، وكأنها تبشّر بمستقبل ثقافي لامع، ولم تكن تلك التنبؤات ضرباً من الخيال، بل تحققت لاحقاً مع نضجه الفكري واتساع تجربته، ليقف في مصاف الأدباء والمفكرين الذين تركوا بصمتهم على المستوى العربي والإنساني.
وينتمي أديبنا الكبير إلى أسرة "آل طعمة"، التي تعد من أعرق الأسر العربية العلوية الموسوية التي استوطنت كربلاء منذ قرون، ومن أقدم بيوتاتها المعروفة، حيث اشتهرت هذه الأسرة بإسهاماتها الكبيرة في ميادين العلم والأدب والسياسة، وبرز منها نقباء للسادة والأشراف، وسدنة للروضتين المقدستين عبر أزمنة متعاقبة، مما منحها مكانة اجتماعية وروحية رفيعة.
تجدر الإشارة إلى أن قراءة سيرة الدكتور "صالح جواد آل طعمة" لا تقتصر على كونه أديباً كربلائياً بارزاً، بل تكشف عن شخصية ثقافية أسهمت في إثراء المشهد الأدبي العربي، مستندة إلى جذور راسخة ورؤية إنسانية واسعة، وبذلك، يغدو حضوره امتداداً لدور كربلاء التاريخي بوصفها مدينة لا تكتفي بصناعة الذاكرة، بل تصنع العقول أيضاً.
المصدر: الطعمة، صادق، الحركة الأدبية المعاصرة في كربلاء، العتبة الحسينية المقدسة، ج1، 2017، ص100-107.