الهوية الثقافية مفهوم متجدد يتشكل عبر التحولات التاريخية والدينية والاجتماعية، والتفاعل بين الحداثة والأصالة هو الأصل في تشكيل الهوية الثقافية.
 وفي الهوية الثقافية لمدينة كربلاء يجتمع الإرث الديني مع المستجدات الثقافية والحضرية والتقاليد والعرف الاجتماعي للمدينة، مما يضع الهوية أمام امتحان لإثبات مدى قدرتها في الحفاظ على أصالتها في ظل التغيرات العالمية.
 هوية كربلاء الثقافية تحدد طبيعة المجتمع الكربلائي الذي ينقسم الى مجتمع مستقر يسكن المدينة، ومجتمع مؤقت في مواسم الزيارات والمناسبات والسياحة الدينية، ويتفاعل كل منهما مع المتغيرات باستجابة مختلفة حيث يسعى المجتمع المستقر الى الحيلولة دون أن يفقد أصالته التي تستمد جذورها من واقعة الطف التاريخية التي شكّلت وعيًا جمعيًا في العالم الشيعي ويحاول هذا المجتمع ترسيخ كونه بؤرة هذا الوعي. وأن تكون كربلاء هي الرمز الثقافي ومركز هذا الوعي. ويواجه التأثيرات العميقة للعولمة والانفتاح الثقافي، وتفعيل المؤسسات التعليمية والإعلامية لتعزز الهوية الثقافية، واستمرار نقائها وأن تكون قادرة على الصمود وبأدوات رصينة يوظفها التعليم والإعلام ومظاهر السلوك الاجتماعي وفق استراتيجيات متجددة تواكب التحولات الحديثة.
 الهوية الثقافية ليست مجرد انتماء جماعي، بل عملية حية متشابكة تتفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي ليست ثابتة بل يتجدد تشكيلها كلما تغيّرت الظروف الاجتماعية.
 ويتداخل في الهوية الثقافية الكربلائية البعد الديني مع الخزين التاريخي ومظاهر الفولكلور الاجتماعي في تمازج دقيق بين أصالة الموروث وضرورات التحولات الثقافية والحضارية. ومهمة الحفاظ على الهوية الثقافية تتلخص في العمل على جعل الثقافة والهوية مضمونة الانتقال عبر الأجيال من خلال أساليب السلوك المجتمعي والقناعات العقائدية الراسخة التي تساير المتغيرات والمستجدات لكنها لا تتبدل بوجودها ولا تنعكس مؤثرات تلك المتغيرات على أساسها العقائدي بما يضمن الحفاظ على القيم الثقافية والتمسك بالشعائر والممارسات الثقافية والتداخل المتوازن للدين والتاريخ والحضارة والرمزية التي تجعل مدينة كربلاء جزءًا أساسياً راسخًا لهوية الشيعة الثقافية في العالم ووعيهم الجَمعي. هذا الوعي الذي يتجدد ويترسخ في تنظيم وأداء الشعائر الحسينية وفي زيارة الأربعين كتعبير ثقافي ذي تجسيد مادي يعكس الإرادة البحتة والإصرار المعنوي على التمسك بالقيم للثورة الخالدة في كربلاء والتي تتوجت بتضحيات الإمام الحسين (عليه السلام) وثباته على مبدأ الحق دون الإذعان لمنطق الظلم والخنوع للظالم. وهذا المنطق هو الذي يجدد الشعور لدى الشيعة عموما بالانتماء الى كربلاء وحرصهم على أن تكون هويتها الثقافية هي هويتهم جميعا، كما إن هذا المنطق الإيماني يسمو بكربلاء من المجسَّد الجغرافي الى كيان يتسع جغرافيا وتاريخيا ليشمل البشرية جمعاء. وينتقل من جيل الى آخر وهو أكثر وضوحا ورسوخا واتساعا.
  وهنا يبرز دور المؤسسات التعليمية والمؤسسات الإعلامية في تعزيز هوية كربلاء الثقافية، ونقل القيم الثقافية والدينية وتوثيق ونشر مفردات هذه الثقافة والاسهام في التفاعل الثقافي العالمي وفق المنطق التراثي والثقافي كي يبقى حيًا متفاعلا متجددا.