في زمنٍ مضى، كان اسم العالِم يسبق صوته، وكانت مكانته تُقاس بما يقدّمه من معرفةٍ للإنسانية، لا بعدد المتابعين أو حجم الضجيج من حوله. كان العلماء هم المشاهير الحقيقيين؛ تُروى قصصهم، وتُحفظ إنجازاتهم، ويُنظر إليهم باعتبارهم قدوةً ومصادر إلهام للأجيال. كان المجتمع يحتفي بالعقل، ويمنح التقدير لمن يُضيف قيمة، ويُسهم في فهم الكون والإنسان والحياة.
في تلك العصور، لم تكن الشهرة هدفًا بحدّ ذاتها، بل نتيجة طبيعية للعلم والعمل والاجتهاد. كان العالِم ينعزل سنواتٍ في مختبره أو مكتبته، ثم يخرج للعالم باكتشافٍ أو فكرة تغيّر مجرى التاريخ. وكانت المجتمعات – رغم بساطة وسائل الإعلام – قادرة على تمييز القيمة الحقيقية، فترفع من يستحق الرفع، وتُخلّد من يخدم البشرية بعقله قبل صورته.
مع تطوّر وسائل الإعلام و التواصل الاجتماعي، تغيّر مفهوم الشهرة جذريًا. لم تعد مرتبطة بالعمق أو التأثير طويل المدى، بل بسرعة الانتشار وسهولة الاستهلاك. تحوّلت الشهرة من مكافأة على الجهد إلى سلعة، ومن نتيجة طبيعية للعمل إلى هدفٍ يُلاحَق بأي وسيلة.
أصبحت الخوارزميات لا تُكافئ الأذكى، بل الأكثر إثارة. لا تُبرز الأعمق فكرًا، بل الأعلى صخبًا. وهكذا بدأ المحتوى الهابط، القائم على التفاهة و السطحية، في تصدّر المشهد، لأنه أسهل هضمًا، وأسرع انتشارًا، وأقل تطلّبًا من حيث التفكير.
لا يمكن إلقاء اللوم على صانعي المحتوى وحدهم؛ فالجمهور شريك أساسي. فالمحتوى التافه ينجح لأنه يُلبّي رغبة فورية في التسلية السريعة، ويُجنّب المتلقي عناء التفكير أو مواجهة الأسئلة العميقة. ومع ضغوط الحياة وتسارعها، اتجه قسم واسع من الناس الى استهلاك ما يخفف عنهم ثقل الواقع ، لا ما يوسع أفق الفهم.
كما أن العالم الجاد غالبًا لا يجيد تسويق نفسه، ولا يملك الوقت أو الرغبة في مجاراة موجات التريند، بينما يتقن صانع المحتوى الهابط لعبة الانتباه، حتى لو كان الثمن إفراغ الشهرة من أي مضمون.
خطورة هذا التحوّل لا تكمن في وجود الترفيه بحد ذاته، فالترفيه حاجة إنسانية، بل في اختلال الميزان. عندما يصبح التافه هو الأعلى صوتًا، والعميق هو الأكثر تهميشًا، تتغيّر القيم، ويختل وعي الأجيال. ينشأ جيلٌ يربط النجاح بعدد الإعجابات، لا بعمق الأثر، ويظن أن الشهرة غاية، لا وسيلة لخدمة فكرة أو رسالة.
الأمل ما زال قائمًا. فكل عصر يمرّ بموجاته، وما يبدو طاغيًا اليوم قد يتراجع غدًا. استعادة مكانة العلماء لا تتطلب إلغاء الترفيه، بل إعادة الاعتبار للقيمة. تتطلب إعلامًا أكثر وعيًا، ومؤسسات تعليمية تُنمّي التفكير النقدي، وجمهورًا يدرك أن ما يستهلكه يوميًا يصنع وعيه ومستقبله.
في النهاية، الشهرة مرآة المجتمع. فإذا أردنا أن يعود العلماء إلى الواجهة، فعلينا أولًا أن نُعيد احترام المعرفة، وأن نُدرك أن ما يُنقذ الأمم لا يكون صاخبًا دائمًا، لكنه يكون عميقًا، صادقًا، وباقيًا.