ذكر أمير المؤمنين عليه السلام عددا من صفات المتقاعسين و المتخادلين عن القتال و منها أنّهم كثيرون في مواقع الكلام و الحديث و أماكن الرخاء و لكنهم قليلون عند التحديات الحقيقية و مواقع الاختبارات الصعبة و الأعمال الجادة و مواطن الجهاد، قال عليه السلام: «لكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ» .
هذا المقطع من الكلام في نهج البلاغة في الخطبة 69 و فيها قوله «الذَّلِيلُ وَ اللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ، وَ مَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ، إِنَّكُمْ وَ اللَّهِ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ،قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ» .
و قريب من هذا الكلام في نهج البلاغة أيضا قوله (ع) بعد غارة الضحاك بن قيس صاحب معاوية على الحاجّ «تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ كَيْتَ وَ كَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِي حَيَادِ» .
و الباحات جمع باحة و هي الساحات جمع ساحة، و الرايات جمع راية و هي العلم الذي يرفع في ساحات القتال عند أحد القادة، و يٌقال للعبّاس بن أمير المؤمنين عليهما السلام حامل الراية و حامل العلم و حامل اللواء، و الرايات هنا بمعنى ميادين الحرب، و عامة ترمز لأماكن الحرب و المواقف المبدئية و البطولية و الشرف.
ينبّه أمير المؤمنين (ع) على خوف و جبن و ذل المتخاذلين و المتقاعسين، و يصفهم (ع) و يُقسم بأنهم «كَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ» أو الساحات أو الملتقيات، و في هذا الزمن في المجالس و الملاعب و المقاهي و الملاهي إلى غيرها من مواقع تجمّع النّاس، و المعنى أنّهم موجودون بكثرة في الأماكن العامة التي لا جدّ فيها، و بعضها فيه الباطل، و فيها الراحة و الرفاه، و لكنهم «قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ»، أي رايات الجهاد و ميادين القتال في مواجهة الأعداء، و قليلون في أماكن البطولة و الشّجاعة و ميادين العزّ و الشرف حيث المشقة و الصعوبات.
والعكس هو ما يجب أن يكون أي التواجد و الحضور تحت الرايات و في ساحات الجهاد و في ميادين السيادة و الشموخ و العظمة.
و أصحاب الساحات قد يُظهرون شجاعة و فهما و يتعمقون في التحليلات السياسية و يراقبون، و يُبدون الملاحظات و الانتقادات و يكثرون من الكلام و الكلمات المنمقة، حيث يكون الكلام سهل و يسير دون أفعال حقيقية و دون امتحان صعب، لكنهم مفقودون أو قليلون في معارك القتال و ساحات الجهاد و مواقف التضحيات حيث يظهر الأوفياء و المخلصون و الشرفاء.
و يصلح هذا الكلام «كَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ» أن يكون مثلا يضرب لمن يفضل الراحة و الرخاء و الرفاه و يفر و ينفر من ساحات الجدّ و الاجتهاد و الكدّ و الكدح.
و يستفاد من الكلمة أنّ معرفة النّاس و حقيقة صفاتهم و إخلاصهم و وفائهم و مقدار تضحياتهم لا يُعرف في كل موقع و ليس في الأماكن العامة و الساحات و إنّما المعرفة الحقيقية للنّاس في مواقع و مواطن الاختبارات الحقيقية و الامتحانات الرئيسية و منها الحروب و القتال و مواقع التضحيات، فقيمة الإنسان تكمن في أعماله عند الشدائد لا في أقواله في الرخاء.
فلا يُعرف النّاس إلا في أوقات الأزمنة الصعبة دون أزمنة الرخاء و عند حلول المصائب و الشدائد و الابتلاءات دون حالات الرفاه، و عند تقلّب الأحوال لا في استقرارها، و في نهج البلاغة «فِي تَقَلُّبِ الأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ، والأَيَّامُ تُوضِحُ لَكَ السَّرَائِرَ الْكَامِنَةَ» .
و إنّ قيمة الإنسان في مقدار ما يقدمه للآخرين و يضحّي به لأجل الآخرين و في الأعمال الجادة و ليس في أماكن التجمعات للترويح و الترفيه و الأنس.
و هذا يسري أيضا في منصات برامج التواصل الاجتماعي فإنّ النّاس يتحدثون و يطرحون آراء و أفكار و اقتراحات و هم كثيرون و من جميع طبقات المجتمعات، و لكنّهم في مجال الجدّ و الواقع قليلون.
و تعني أيضا انّ أكثر النّاس هم الذين يتابعون الأخبار و الأحداث، و يتحدثون و يقترحون، و يحلّلون و يقبلون أو يرفضون، يؤيدون أو يمتعظون، و لكن الذين يتحملّون المسؤولية و يتعهدون بالواجبات هم قليلون.
فهذه أحد صفات المتخاذلين عن الجهاد و هي «الكثرة في الباحات و القلة تحت الرايات»، و ذكرهم عليه السلام في مواقع أخرى و وصفهم بعدة أوصاف، منها:
التناقض بين كلامهم و أفعالهم، قال (ع): «كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلَابَ، وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ» .
و منها أنهم يتعللون بالأعذار الواهية إذا أُمروا بالقتال و الجهاد مثل شدة الحر و البرد، وسوء الطقس، وعدم ملائمة الظروف، أو المرض «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ، وَ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ، كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ، فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَ اللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ» .
ومنها إنّهم يتعاملون بردة الفعل الناقصة، قال عليه السلام: «يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَ لَا تُغِيرُونَ، وَ تُغْزَوْنَ وَ لَا تَغْزُونَ، وَ يُعْصَى اللَّهُ وَ تَرْضَوْنَ» .
ومنها إنّهم خائبون في حالتي السلم و الحرب، فإن أُمهلوا و لم يُطلبوا للجهاد خاضوا في الباطل و الثرثرات، و إن حُوربوا خاروا و ضعفوا و انكسروا، قال (ع): «إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ» ، فهم جبناء يخشون المواجهة و لا يتحملون الأخطار.
و منها أنّهم يتصفون بالتواكل و التخاذل و التكاسل، قال (ع): «أَلَا وَ إِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَ نَهَاراً وَ سِرّاً وَ إِعْلَاناً وَ قُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ وَ مُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ» .
و منها أنّهم من أهل الإبطاء و التثاقل عن الحق، قال (ع): «أَمَا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي» .
و منها تفرقهم و تشتتهم، قال (ع): «وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَ بَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْزَاباً» .
«وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ» .
وَ « لَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ وَ تَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُم»
و إنّهم يفتقدون الحمية و الحماسة «لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَ لَا حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ» .
و أنّهم يأخذون من الإسلام مظهره الخارجي دون جوهره و حقيقته و مضمونه، قال (ع): «وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ،..، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ» .
و منها أنّهم متعصبون بالباطل، قال (ع): «وَ قَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلَا تَغْضَبُونَ وَ أَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ» .
و منها عدم صدقهم و وفائهم «لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ، تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ» .
- نهج البلاغة، خطبة 69
- نهج البلاغة، خطبة 69
- نهج البلاغة، خطبة 29
- نهج البلاغة، خطبة 108، نهج البلاغة ، حكمة 217 (فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ)
- نهج البلاغة، خطبة 29
- نهج البلاغة، خطبة 27
- نهج البلاغة، خطبة 27
- نهج البلاغة، خطبة 180
- نهج البلاغة، خطبة 27
- نهج البلاغة، خطبة 97
- نهج البلاغة، خطبة 192
- نهج البلاغة، خطبة 97
- نهج البلاغة، خطبة 116
- نهج البلاغة، خطبة 180
- نهج البلاغة، خطبة 192
- نهج البلاغة، خطبة 106
- نهج البلاغة، خطبة 97
المقال يمثل رأي الكاتب وليس بالضرورة ان يمثل رأي المركز