كربلاء ليست مدينةً عادية، بل رمزٌ متجذّر في الوعي الإنساني لمعاني التضحية والوعي والانضباط الأخلاقي. وقد ارتبط اسمها عبر التاريخ برسالةٍ سامية تقوم على احترام الإنسان وصون القيم والارتقاء بالسلوك العام. ومن هذا المنطلق، فإن أي ممارسة اجتماعية داخل هذه المدينة لا بد أن تنسجم مع هويتها الدينية وطبيعتها الروحية ومكانتها في وجدان العراقيين والزائرين على حدّ سواء.
ومن الجانب الاجتماعي، تبرز اليوم مشكلة واضحة تتمثل في الانتشار المفرط لاستخدام مكبرات الصوت ورفع أصوات الأغاني في شوارع مدينة كربلاء المقدسة، سواء من قبل بعض السيارات أو المحال التجارية والخدمية أو عبر تجمعات عشوائية. وهي ظاهرة لا تنسجم مع قدسية المكان، ولا مع طبيعته الاجتماعية، ولا مع حرمته الدينية والعقائدية.
إن رفع الأصوات في الفضاءات العامة لا يُعدّ مظهرًا من مظاهر الحرية، بل هو إزعاج مباشر للسكان، وله آثار سلبية واضحة على راحة العوائل، والمرضى، وكبار السن، والطلبة، كما يسهم في خلق حالة من التوتر داخل المجتمع، ويعكس صورة غير لائقة أمام الزوّار عن مدينة يُفترض بها أن تكون نموذجًا يُحتذى في الهدوء والاتزان والاحترام.
لقد تربّى مجتمع كربلاء، بوصفه عرفًا اجتماعيًا راسخًا ورمزًا للتحضّر، على أن الحرية الشخصية حقٌّ أصيل، لكنها تتوقف عند حدود راحة الآخرين. وأن احترام الفضاء العام وأذواق الناس جزء أساس من الوعي المجتمعي. فالضوضاء غير المبرّرة لا تعبّر عن أصالة المجتمع، بل تكشف ضعفًا في الوعي وقصورًا في إدراك القيم المشتركة التي تنظّم العيش المشترك.
إن تحويل شوارع المدينة إلى مساحات مفتوحة للأصوات العالية والأغاني يفقد المكان وقاره، ويُضعف حضوره الرمزي، ويعيق أداء رسالته الاجتماعية التي ارتبطت باسم كربلاء عبر التاريخ؛ تلك الرسالة التي تقوم على الوعي والانضباط واحترام الآخر.
والمجتمع الواعي هو الذي يحافظ على هدوء مدينته، ويحترم قدسيتها، ويُعبّر عن حضوره الاجتماعي بسلوكٍ راقٍ يعكس فهمه العميق لمعنى المسؤولية الجماعية والعيش المشترك.
وفي هذا الإطار، فإن القانون العراقي قد وضع حدودًا واضحة لما يُعدّ تجاوزًا على الذوق العام، إذ نصّت المادة (404) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 على:
“يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار كل من جهر بأغانٍ أو أقوال فاحشة أو مخلة بالحياء بنفسه أو بواسطة جهاز آلي وكان ذلك في محل عام.”
وهو نصّ قانوني يؤكد أن حماية الذوق العام ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل مسؤولية قانونية ومجتمعية تهدف إلى صون السلم الاجتماعي والحفاظ على هوية المدن المقدسة ومكانتها